شرح كتاب النيل وشفاء العليل امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

الجزء السادس عشر

الجزء ١٦ · صفحة ٦١٢

لِيَرْبَحُوا عَلَيَّ وَلَمْ أَخْلُقْهُمْ لِأَرْبَحَ عَلَيْهِمْ} وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ﴿مَا خَلَقَ اللَّهُ تَعَالَى شَيْئًا إلَّا جَعَلَ لَهُ مَا يَغْلِبُهُ، وَجَعَلَ رَحْمَتَهُ تَغْلِبُ غَضَبَهُ﴾، وَفِي الْخَبَرِ: ﴿إنَّ اللَّهَ تَعَالَى كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ الْخَلْقَ إنَّ رَحْمَتِي تَغْلِبُ غَضَبِي﴾، وَفِي الْخَبَرِ: ﴿لَوْ عَلِمَ الْخَلْقُ سَعَةَ رَحْمَةِ اللَّهِ مَا أَيِسَ مِنْ جَنَّتِهِ أَحَدٌ﴾، {وَلَمَّا تَلَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَوْله تَعَالَى: ﴿إنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ﴾ حِينَ نَزَلَ عَلَيْهِ فِي سَفَرٍ أَوَانَ الظَّهِيرَةِ قَالَ أَتَدْرُونَ أَيَّ يَوْمٍ هَذَا؟ يَوْمَ يُقَالُ لِآدَمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ قُمْ فَابْعَثْ بَعْثَ النَّارِ مِنْ ذُرِّيَّتِكَ، فَيَقُولُ: يَا رَبِّ كَمْ؟ فَيُقَالُ: مِنْ كُلِّ أَلْفٍ تِسْعُ مِائَةٍ وَتِسْعَةٌ وَتِسْعُونَ، وَوَاحِدٌ إلَى الْجَنَّةِ فَأَبْلَسَ الْقَوْمُ أَيْ: أَيِسُوا وَجَعَلُوا يَبْكُونَ وَتَعَطَّلَ يَوْمُهُمْ عَنْ الِاشْتِغَالِ وَالْعَمَلِ، فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: مَا لَكُمْ لَا تَعْمَلُونَ؟ فَقَالُوا: وَمَنْ يَشْتَغِلُ بَعْدَمَا حَدَّثْتَنَا بِهَذَا؟ فَقَالَ: كَمْ أَنْتُمْ فِي الْأُمَمِ: إنَّ تَاوِيلَ وَتَارِيسَ وَمَنْسِكًا وَيَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ أُمَمٌ لَا يُحْصِيهَا إلَّا اللَّهُ تَعَالَى، إنَّمَا أَنْتُمْ فِي الْأُمَمِ كَالشَّعْرَةِ الْبَيْضَاءِ فِي جِلْدِ الثَّوْرِ الْأَسْوَدِ، وَكَالرَّقْمَةِ فِي ذِرَاعِ الدَّابَّةِ، تِسْعَةٌ وَتِسْعُونَ وَتِسْعُ مِائَةٍ مِنْهُمْ إلَى النَّارِ، وَوَاحِدٌ مِنْكُمْ إلَى الْجَنَّةِ}.

فَانْظُرْ كَيْفَ يَسُوقُ النَّاسَ بِسِيَاطِ الْخَوْفِ أَوَّلًا وَلَمَّا خَرَجَ بِهِمْ ذَلِكَ عَنْ حَدِّ الِاعْتِدَالِ إلَى إفْرَاطِ الْيَأْسِ دَاوَاهُمْ بِدَوَاءِ الرَّجَاءِ وَرَدَّهُمْ إلَى الِاعْتِدَالِ وَالْقَصْدِ، وَلَا تَنَاقُضَ، لَكِنْ ذَكَرَ الشِّفَاءَ أَوَّلًا فَأَتَمَّهُ بِالدَّوَاءِ لَمَّا احْتَاجُوا لِلْعِلَاجِ، وَهَكَذَا يَعِظُ الْوَاعِظُ،

وَإِلَّا كَانَ مَا يُفْسِدُ أَكْثَرَ مِمَّا يُصْلِحُ.

وَفِي الْخَبَرِ: ﴿لَوْ لَمْ تُذْنِبُوا لَخَلَقَ اللَّهُ خَلْقًا يُذْنِبُونَ فَيَغْفِرُ لَهُمْ وَفِي لَفْظٍ آخَرَ: لَذَهَبَ بِكُمْ وَجَاءَ بِخَلْقٍ آخَرَ يُذْنِبُونَ فَيَغْفِرُ لَهُمْ إنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ،﴾ وَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ﴿وَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَلَّهُ أَرْحَمُ بِعَبْدِهِ الْمُؤْمِنِ مِنْ الْوَالِدَةِ الشَّفِيقَةِ بِوَلَدِهَا﴾، وَفِي الْخَبَرِ: {لِيَغْفِرَ اللَّهُ تَعَالَى يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَغْفِرَةً مَا خَطَرَتْ عَلَى

١٠٬٢٥٠ / ١١٬٧٠٢ الأصل المصوَّر ١٦ م.ب.