الجزء السادس عشر
الجزء ١٦ · صفحة ٦١٤تَعَالَى أَعْدَلُ مِنْ أَنْ يُثَنِّيَ عُقُوبَتَهُ فِي الْآخِرَةِ عَلَى عَبْدِهِ، وَقَالَ الثَّوْرِيُّ: مَا أُحِبُّ أَنْ يُجْعَلَ حِسَابِي إلَى أَبَوَيَّ لِأَنِّي أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ أَرْحَمُ بِي مِنْهُمَا.
وَقَالَ بَعْضُ السَّلَفِ: الْمُؤْمِنُ إذَا عَصَى اللَّهَ تَعَالَى سَتَرَهُ عَنْ أَبْصَارِ الْمَلَائِكَةِ كَيْ لَا تَرَاهُ فَتَشْهَدَ عَلَيْهِ، وَكَتَبَ مُحَمَّدُ بْنُ مُصْعَبٍ إلَى أَسْوَدَ بْنِ سَالِمٍ بِخَطِّهِ: إنَّ الْعَبْدَ إذَا كَانَ مُسْرِفًا عَلَى نَفْسِهِ فَرَفَعَ يَدَيْهِ يَدْعُو يَقُولُ: يَا رَبِّ حَجَبَتْ الْمَلَائِكَةُ صَوْتَهُ، وَكَذَا الثَّانِيَةُ وَالثَّالِثَةُ حَتَّى إذَا قَالَ الرَّابِعَةَ: يَا رَبِّ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: حَتَّى مَتَى تَحْجُبُونَ صَوْتَ عَبْدِي؟ قَدْ عَلِمَ عَبْدِي أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ رَبٌّ يَغْفِرُ غَيْرِي أُشْهِدُكُمْ أَنِّي قَدْ غَفَرْتُ لَهُ، وَقَالَ إبْرَاهِيمُ بْنُ أَدْهَمَ رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ: خَلَا لِي الطَّوَافُ لَيْلَةً وَكَانَتْ لَيْلَةً مُمْطِرَةً مُظْلِمَةً فَوَقَفْتُ فِي الْمُلْتَزَمِ عِنْدَ الْبَابِ وَقُلْتُ: يَا رَبِّ اعْصِمْنِي كَيْ لَا أَعْصِيَكَ أَبَدًا، فَهَتَفَ لِي هَاتِفٌ مِنْ الْبَيْتِ: يَا إبْرَاهِيمُ أَنْتَ تَسْأَلُنِي الْعِصْمَةَ، وَكُلُّ عِبَادِي الْمُؤْمِنِينَ يَطْلُبُونَ ذَلِكَ، فَإِنْ عَصَمْتُهُمْ فَعَلَى مَنْ أَتَفَضَّلُ وَلِمَنْ أَغْفِرُ؟، وَكَانَ الْحَسَنُ يَقُولُ: لَوْ لَمْ يُذْنِبْ الْمُؤْمِنُ لَكَانَ يَطِيرُ فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ، وَلَكِنَّ
اللَّهَ تَعَالَى قَمَعَهُ بِالذُّنُوبِ.
وَقَالَ الْجُنَيْدُ: إنْ بَدَتْ عَيْنٌ مِنْ الْكَرَمِ أَلْحَقَتْ الْمُسِيئِينَ بِالْمُحْسِنِينَ وَلَقِيَ مَالِكُ بْنُ دِينَارٍ رَحِمَهُ اللَّهُ أَبَا يَحْيَى فَقَالَ لَهُ: كَمْ تُحَدِّثُ النَّاسَ بِالرُّخَصِ؟ فَقَالَ: يَا أَبَا يَحْيَى إنِّي لَأَرْجُو أَنْ تَرَى مِنْ عَفْوِ اللَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَا تَخْرِقُ بِهِ كِسَاءَكَ هَذَا مِنْ الْفَرَحِ قَالَ رِبْعِيٍّ بْنُ خِرَاشٍ عَنْ أَخِيهِ وَكَانَ مِمَّنْ تَكَلَّمَ بَعْدَ الْمَوْتِ: لَمَّا مَاتَ أَخِي سُجِّيَ بِثَوْبِهِ فَأَلْقَيْنَاهُ عَلَى نَعْشِهِ فَكَشَفَ الثَّوْبَ عَنْ وَجْهِهِ وَاسْتَوَى قَاعِدًا وَقَالَ: إنِّي لَقِيتُ رَبِّي عَزَّ وَجَلَّ فَحَيَّانِي بِرَوْحٍ وَرَيْحَانٍ وَرَبِّي غَيْرُ غَضْبَانَ وَإِنِّي رَأَيْتُ الْأَمْرَ أَيْسَرَ مِمَّا يَظُنُّونَ فَلَا تَغْتَرُّوا، وَإِنَّ مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَنْتَظِرُنِي وَأَصْحَابُهُ حَتَّى أَرْجِعَ إلَيْهِمْ، قَالَ: ثُمَّ طَرَحَ نَفْسَهُ فَكَأَنَّهَا كَانَتْ حَصَاةً وَقَعَتْ فِي طَسْتٍ فَحَمَلْنَاهُ وَدَفَنَّاهُ.
وَرُوِيَ: أَنَّ رَجُلَيْنِ مِنْ بَنِي إسْرَائِيلَ تَآخَيَا فِي اللَّهِ تَعَالَى فَكَانَ أَحَدُهُمَا