الجزء السادس عشر
الجزء ١٦ · صفحة ٦١٦الْآثَارِ: أَنَّ رَجُلَيْنِ مِنْ الْعَابِدِينَ كَانَا مُتَسَاوِيَيْنِ فِي الْعِبَادَةِ فَإِذَا دَخَلَا الْجَنَّةَ رُفِعَ أَحَدُهُمَا فِي الدَّرَجَاتِ الْعُلَا عَلَى صَاحِبِهِ فَيَقُولُ: يَا رَبِّ مَا كَانَ هَذَا فِي الدُّنْيَا بِأَكْثَرَ مِنِّي عِبَادَةً فَرَفَعْتُهُ عَلَيَّ فِي عِلِّيِّينَ، فَيَقُولُ اللَّهُ سُبْحَانَهُ: إنَّهُ كَانَ يَسْأَلُنِي فِي الدَّرَجَاتِ الْعُلَا وَأَنْتَ كُنْتَ تَسْأَلُنِي النَّجَاةَ مِنْ النَّارِ وَأَعْطَيْتُ كُلَّ عَبْدٍ سُؤَالَهُ.
وَهَذَا يَدُلُّ أَنَّ الْعِبَادَةَ عَلَى الرَّجَاءِ
أَفْضَلُ لِأَنَّ الْمَحَبَّةَ أَغْلَبُ عَلَى الرَّاجِي مِنْهَا عَلَى الْخَائِفِ، فَكَمْ مِنْ فَرْقٍ فِي الْمُلُوكِ بَيْنَ مَنْ يَخْدِمُ اتِّقَاءً لِعِقَابِهِ وَمَنْ يَخْدِمُ ارْتِجَاءً لِإِنْعَامِهِ وَإِكْرَامِهِ، وَلِذَلِكَ أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى بِحُسْنِ الظَّنِّ، وَلِذَلِكَ قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ﴿سَلُوا اللَّهَ الدَّرَجَاتِ الْعُلَا فَإِنَّمَا تَسْأَلُونَ كَرِيمًا﴾، وَقَالَ: ﴿إذَا سَأَلْتُمْ اللَّهَ فَأَعْظِمُوا الرَّغْبَةَ وَاسْأَلُوا الْفِرْدَوْسَ الْأَعْلَى فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَا يَتَعَاظَمُهُ شَيْءٌ﴾.
وَقَالَ بَكْرُ بْنُ سُلَيْمٍ الصَّوَّافُ: دَخَلْنَا عَلَى مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ فِي الْعَشِيَّةِ الَّتِي قُبِضَ فَقُلْنَا: يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ كَيْفَ تَجِدُكَ؟ قَالَ: لَا أَدْرِي مَا أَقُولُ لَكُمْ إلَّا أَنَّكُمْ سَتُعَايِنُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُنْ فِي حِسَابٍ، ثُمَّ مَا بَرِحْنَا حَتَّى أَغْمَضْنَاهُ وَقَالَ يَحْيَى بْنُ مُعَاذٍ فِي مُنَاجَاتِهِ: يَكَادُ رَجَائِي لَكَ مَعَ الذُّنُوبِ يَغْلِبُ رَجَائِي إيَّاكَ مَعَ الْأَعْمَالِ، لِأَنِّي أَعْتَمِدُ فِي الْأَعْمَالِ عَلَى الْإِخْلَاصِ وَكَيْفَ أُحْرِزُهَا وَأَنَا بِالْآفَةِ مَعْرُوفٌ، وَأَجِدُنِي فِي الذُّنُوبِ أَعْتَمِدُ عَلَى عَفْوِكَ وَكَيْفَ لَا تَغْفِرُهَا وَأَنْتَ بِالْجُودِ مَوْصُوفٌ؟.
وَقِيلَ: إنَّ مَجُوسِيًّا اسْتَضَافَ إبْرَاهِيمَ الْخَلِيلَ عَلَيْهِ السَّلَامُ فَقَالَ: إنْ أَسْلَمْتَ أَضَفْتُكَ فَمَرَّ الْمَجُوسِيُّ فَأَوْحَى اللَّهُ إلَيْهِ: يَا إبْرَاهِيمُ لِمَ لَا تُطْعِمُهُ إلَّا بِتَغْيِيرِ دِينِهِ وَنَحْنُ مِنْ سَبْعِينَ سَنَةً نُطْعِمُهُ عَلَى كُفْرِهِ، فَلَوْ أَضَفْتَهُ لَيْلَةً مَاذَا كَانَ عَلَيْكَ؟.
فَمَرَّ إبْرَاهِيمُ يَسْعَى خَلْفَ الْمَجُوسِيِّ فَرَدَّهُ وَأَضَافَهُ فَقَالَ لَهُ الْمَجُوسِيُّ: مَا السَّبَبُ وَمَا بَدَا لَكَ؟ فَذَكَرَ لَهُ، فَقَالَ لَهُ الْمَجُوسِيُّ: أَهَكَذَا يُعَامِلُنِي؟ ثُمَّ قَالَ: اعْرِضْ عَلَيَّ الْإِسْلَامَ فَأَسْلَمَ وَرَأَى أَبُو سَهْلٍ الصُّعْلُوكِيُّ أَبَا سَهْلٍ الزَّجَّاجِيَّ فِي الْمَنَامِ فَقَالَ لَهُ: كَيْفَ