الجزء السادس عشر
الجزء ١٦ · صفحة ٦١٧حَالُكَ؟ فَقَالَ: وَجَدْنَا الْأَمْرَ أَهْوَنَ مِمَّا تَوَهَّمْنَا
، وَرَأَى بَعْضُهُمْ أَبَا سَهْلٍ الصُّعْلُوكِيُّ فِي الْمَنَامِ عَلَى هَيْئَةٍ حَسَنَةٍ لَا تُوصَفُ فَقَالَ لَهُ: أُسْتَاذٌ، بِمَا نِلْتَ هَذَا؟ قَالَ: بِحُسْنِ ظَنِّي بِرَبِّي، وَجَمَعَ رَجُلٌ قَوْمًا مِنْ نُدَمَائِهِ وَدَفَعَ إلَى غُلَامِهِ أَرْبَعَةَ دَرَاهِمَ وَأَمَرَهُ أَنْ يَشْتَرِيَ شَيْئًا مِنْ الْفَوَاكِهِ لِلْمَجْلِسِ، فَمَرَّ الْغُلَامُ بِبَابِ مَجْلِسِ مَنْصُورِ بْنِ عَمَّارٍ وَهُوَ يَسْأَلُ لِفَقِيرٍ شَيْئًا فَيَقُولُ: مَنْ دَفَعَ إلَيْهِ أَرْبَعَةَ دَرَاهِمَ دَعَوْتُ لَهُ أَرْبَعَ دَعَوَاتٍ، فَدَفَعَ الْغُلَامُ إلَيْهِ الدَّرَاهِمَ.
فَقَالَ مَنْصُورٌ: مَا الَّذِي تُرِيدُ أَنْ أَدْعُوَ لَكَ؟ فَقَالَ: لِي سَيِّدٌ أُرِيدُ أَنْ أَتَخَلَّصَ مِنْهُ، وَدَعَا مَنْصُورٌ، وَقَالَ: الْأُخْرَى أَنْ يُخْلِفَ عَلَيَّ دَرَاهِمِي، فَدَعَا، ثُمَّ قَالَ: الْأُخْرَى؟ فَقَالَ: أَنْ يَتُوبَ اللَّهُ عَلَى سَيِّدِنَا، فَدَعَا، ثُمَّ قَالَ: الْأُخْرَى؟ فَقَالَ: أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لِي وَلِسَيِّدِي وَلَكَ وَلِلْقَوْمِ، فَدَعَا مَنْصُورٌ، فَرَجَعَ الْغُلَامُ، فَقَالَ لَهُ سَيِّدُهُ: لِمَ أَبْطَأَتْ؟ فَقَصَّ عَلَيْهِ الْقِصَّةَ، قَالَ: وَبِمَ دَعَا؟ قَالَ: سَأَلْتُ لِنَفْسِي الْعِتْقَ قَالَ لَهُ: اذْهَبْ فَأَنْتَ حُرٌّ، قَالَ: وَمَا الثَّانِيَةُ؟ قَالَ: أَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَلَيَّ الدَّرَاهِمَ، قَالَ: لَكَ أَرْبَعَةُ آلَافِ دِرْهَمٍ، قَالَ: وَمَا الثَّالِثَةُ؟ قَالَ: أَنْ يَتُوبَ اللَّهُ عَلَيْكَ.
قَالَ: تُبْتُ إلَى اللَّهِ تَعَالَى، قَالَ: وَمَا الرَّابِعَةُ؟ قَالَ: أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لِي وَلَكَ وَلِلْقَوْمِ وَلِلْمُذَكَّرِ قَالَ هَذَا الْوَاحِدُ: لَيْسَ إلَيَّ، فَلَمَّا بَاتَ تِلْكَ اللَّيْلَةَ رَأَى فِي الْمَنَامِ قَائِلًا يَقُولُ لَهُ: أَنْتَ فَعَلْتَ مَا كَانَ إلَيْكَ أَفَتَرَى أَنِّي لَا أَفْعَلُ مَا إلَيَّ؟ قَدْ غَفَرْتُ لَكَ وَلِلْغُلَامِ وَلِمَنْصُورِ بْنِ عَمَّارٍ وَلِلْقَوْمِ الْحَاضِرِينَ أَجْمَعِينَ وَكَانَ بَعْضُ السَّلَفِ يَقُولُ فِي دُعَائِهِ: يَا رَبِّ وَأَيُّ أَهْلِ دَهْرٍ لَمْ يَعْصُوكَ ثُمَّ كَانَتْ نِعْمَتُكَ عَلَيْهِمْ سَابِغَةً، وَرِزْقُكَ عَلَيْهِمْ دَرَرًا، سُبْحَانَكَ مَا أَحْلَمَكَ، وَعِزَّتِكَ إنَّكَ لِتُعْصَى ثُمَّ تُسْبِغُ النِّعْمَةَ حَتَّى كَأَنَّكَ يَا رَبَّنَا لَا تَغْضَبُ، وَالْحَمْقَى وَالْمَغْرُورُونَ لَا يَسْمَعُونَ ذَلِكَ بَلْ يَسْمَعُونَ أَسْبَابَ الْخَوْفِ، وَأَكْثَرُ النَّاسِ لَا يَصْلُحُ إلَّا عَلَى الْخَوْفِ كَالْعَبْدِ السُّوءِ وَالصَّبِيِّ الْعَرِمِ، لَا يَسْتَقِيمُ إلَّا بِالسَّوْطِ وَخُشُونَةِ الْكَلَامِ؟