الجزء السادس عشر
الجزء ١٦ · صفحة ٦١٨التَّنْبِيهُ الرَّابِعُ: اعْلَمْ أَنَّ الْخَوْفَ عِبَارَةٌ عَنْ تَأَلُّمِ الْقَلْبِ وَاحْتِرَاقِهِ بِسَبَبِ تَوَقُّعِ مَكْرُوهٍ فِي الِاسْتِقْلَالِ، وَالْخَوْفُ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى تَارَةً يَكُونُ لِمَعْرِفَةِ صِفَاتِهِ وَأَنَّهُ لَوْ أَهْلَكَ الْعَالَمِينَ لَمْ يُبَالِ وَلَمْ يَمْنَعْهُ مَانِعٌ، وَتَارَةً لِكَثْرَةِ الْجِنَايَةِ بِالْمَعَاصِي وَتَارَةً بِهِمَا وَبِحَسَبِ مَعْرِفَتِهِ بِعُيُوبِ نَفْسِهِ وَمَعْرِفَتِهِ بِجَلَالِ اللَّهِ تَعَالَى: وَأَنَّهُ ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ تَكُونُ قُوَّةُ الْخَوْفِ، فَأَخْوَفُ النَّاسِ لِرَبِّهِ أُعْرَفُهُمْ بِنَفْسِهِ وَبِرَبِّهِ، وَلِذَلِكَ قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ﴿: أَنَا أَخْوَفُكُمْ لِلَّهِ﴾ وَلِذَلِكَ قَالَ اللَّهُ جَلَّ جَلَالُهُ: ﴿إنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ فَيَنْحَلُ الْجِسْمُ وَيَصْفَرُّ وَيَبْكِي وَقَدْ تَنْشَقُّ بِهِ الْمَرَارَةُ فَيُفْضِي إلَى الْمَوْتِ، وَقَدْ يَدْخُلُ الدِّمَاغَ فَيُفْسِدُ الْعَقْلَ، أَوْ يَقْوَى فَيَقْنَطُ، وَذَلِكَ مِنْ الْقَلْبِ، وَأَمَّا فِي الْجَوَارِحِ فَيَكُفُّهَا عَنْ الْمَعَاصِي وَيُقَيِّدُهَا بِالطَّاعَاتِ جَبْرًا لِمَا فَرَّطَ، وَاسْتِعْدَادًا لِلْمُسْتَقْبِلِ، وَلِذَلِكَ قِيلَ: لَيْسَ الْخَائِفُ مَنْ يَبْكِي وَيَمْسَحُ عَيْنَهُ بَلْ يَتْرُكُ مَا يَخَافُ أَنْ يُعَاقَبَ عَلَيْهِ، قَالَ أَبُو الْقَاسِمِ: الْحَكِيمُ مَنْ خَافَ شَيْئًا هَرَبَ مِنْهُ، وَمَنْ خَافَ اللَّهَ هَرَبَ إلَيْهِ، وَقِيلَ لِذِي النُّونِ: مَتَى يَكُونُ الْعَبْدُ خَائِفًا؟ قَالَ: إذَا نَزَّلَ نَفْسَهُ مَنْزِلَةَ السَّقِيمِ الَّذِي يَحْتَمِي مَخَافَةَ طُولِ السَّقَامِ فَيَكْرَهُ الْمَعَاصِيَ الْمَحْبُوبَةَ كَمَا يَكْرَهُ الْعَسَلَ الَّذِي عَرَفَ فِيهِ سُمًّا فَيَخْشَعُ وَيُفَارِقُ الْكِبْرَ وَالْحِقْدَ وَالْحَسَدَ، وَيُحَاسِبُ نَفْسَهُ بِاللَّحْظَةِ وَالْخُطْوَةِ وَالْخَطْرَةِ وَالْكَلِمَةِ وَأَقَلُّ دَرَجَاتِ الْخَوْفِ مَا يُورِثُ الْوَرَعَ الَّذِي هُوَ الْكَفُّ عَنْ الْمُحَرَّمَاتِ، وَإِنْ زَادَ قُوَّةً كَفَّ عَمَّا يَتَطَرَّقُ إلَيْهِ، وَيُسَمَّى تَقْوَى، وَهُوَ أَنْ يَتْرُكَ مَا يَرِيبُهُ إلَى مَا لَا يَرِيبُهُ،
وَإِنْ زَادَ كَانَ صِدْقًا وَهُوَ أَنْ يَتْرُكَ مَا لَا بَأْسَ مَخَافَةَ الْبَأْسِ، وَكُلُّ وَاحِدٍ يَدْخُلُ فِيمَا قَبْلَهُ فَإِذَا ذُكِرَ الْأَخِيرُ فَقَدْ ذُكِرَتْ كُلُّهَا، وَهَكَذَا شَأْنُ الْأَخَصِّ