شرح كتاب النيل وشفاء العليل امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

الجزء السادس عشر

الجزء ١٦ · صفحة ٦١٩

كَمَا تَقُولُ: الْإِنْسَانُ إمَّا عَرَبِيٌّ أَوْ عَجَمِيٌّ، وَالْعَرَبِيُّ إمَّا قُرَشِيٌّ أَوْ غَيْرُهُ، وَالْقُرَشِيُّ إمَّا هَاشِمِيٌّ أَوْ غَيْرُهُ، وَالْهَاشِمِيُّ إمَّا عَلَوِيٌّ أَوْ غَيْرُهُ، وَالْعَلَوِيُّ إمَّا حَسَنِيٌّ أَوْ حُسَيْنِيٌّ، فَإِذَا ذَكَرْتَ أَنَّهُ حُسَيْنِيٌّ فَقَدْ وَصَفْتَهُ بِالْجَمِيعِ، وَكُلَّمَا ذَكَرْتَ وَاحِدًا فَقَدْ ذَكَرْتَ بِهِ مَا قَبْلَهُ.

التَّنْبِيهُ الْخَامِسُ: الْخَوْفُ قَاصِرٌ أَوْ مُفْرِطٌ أَوْ مُعْتَدِلٌ وَسَطٌ، وَهُوَ الْمَحْمُودُ فَأَمَّا الْقَاصِرُ فَهُوَ الَّذِي يَجْرِي مَجْرَى رِقَّةِ النِّسَاءِ تَخْطِرُ بِالْبَالِ عِنْدَ سَمَاعِ آيَةٍ مِنْ الْقُرْآنِ، أَوْ مُشَاهَدَةِ هَائِلٍ تُورِثُ الْبُكَاءَ وَتُفِيضُ الدَّمْعَ، فَإِذَا غَابَ السَّبَبُ عَنْ الْحِسِّ رَجَعَ الْقَلْبُ إلَى الْغَفْلَةِ، وَهُوَ خَوْفٌ قَلِيلُ الْجَدْوَى، كَالْقَضِيبِ الضَّعِيفِ الَّذِي تُضْرَبُ بِهِ دَابَّةٌ قَوِيَّةٌ فَإِنَّهَا لَا تَسْتَقِيمُ بِهِ، وَهَكَذَا خَوْفُ النَّاسِ كُلِّهِمْ إلَّا الْعَارِفِينَ وَالْعُلَمَاءَ بِاَللَّهِ وَآيَاتِهِ وَأَفْعَالِهِ، وَلَا أَعْنِي الْعُلَمَاءَ بِمَسَائِلِ الْعِلْمِ، قَالَ الْغَزَالِيُّ: هُمْ أَبْعَدُ النَّاسِ عَنْ الْخَوْفِ، وَلِذَلِكَ قَالَ الْفُضَيْلُ بْنُ عِيَاضٍ: إذَا قِيلَ لَكَ هَلْ تَخَافُ اللَّهَ؟ فَاسْكُتْ فَإِنَّكَ إنْ قُلْتَ: لَا كَفَرْتَ، وَإِنْ قُلْتَ: نَعَمْ كَذَبْتُ، أَيْ لِأَنَّ الْخَوْفَ هُوَ الَّذِي يَكُفُّ الْجَوَارِحَ عَنْ الْمَعَاصِي وَمَا لَمْ يُؤَثِّرْ فِي الْجَوَارِحِ فَهُوَ حَدِيثُ النَّفْسِ، وَأَمَّا الْمُفْرَطُ فَمَذْمُومٌ لِأَنَّهُ يُؤَدِّي إلَى الْيَأْسِ وَيَمْنَعُ مِنْ الْعَمَلِ، أَوْ إلَى الْمَرَضِ وَالْحَيْرَةِ، وَزَوَالِ الْعَقْلِ، وَإِنَّمَا الْمُرَادُ مِنْ الْخَوْفِ: الْحَمْلُ عَلَى الْعَمَلِ وَالتَّحَرُّزُ مِنْ الْمَحْذُورِ، وَمَنْ مَاتَ بِالْخَوْفِ مَاتَ شَهِيدًا لَكِنْ لَيْسَ أَفْضَلَ مِنْ أَنْ يَبْقَى فِي زِيَادَةِ الْعَمَلِ وَطَرْحِ الْمَعَاصِي وَاكْتِسَابِ الْمَعَارِفِ بِاَللَّهِ تَعَالَى، وَإِنَّمَا شَهَادَتُهُ أَفْضَلُ بِالنِّسْبَةِ إلَى مَا دُونَهَا، وَإِذَا أَثْمَرَتْ دَرَجَاتُ الصِّدِّيقِينَ وَهُوَ أَنْ يَسْلُبَ الظَّاهِرَ وَالْبَاطِنَ عَمَّا سِوَى اللَّهِ تَعَالَى حَتَّى لَا يَبْقَى لِغَيْرِ اللَّهِ فِيهِ مُتَّسَعٌ فَهُوَ أَقْصَى مَا يُحْمَدُ مِنْ الْخَوْفِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

التَّنْبِيهُ السَّادِسُ: مَا الْخَوْفُ إلَّا بِانْتِظَارِ مَكْرُوهٍ بِالذَّاتِ كَالنَّارِ، أَوْ مَكْرُوهٍ لِإِفْضَائِهِ إلَى الْمَكْرُوهِ بِالذَّاتِ وَهُوَ الْمَعَاصِي وَالْمَوْتُ قَبْلَ التَّوْبَةِ، وَبُغْضُ التَّوْبَةِ، وَنَقْضُ الْعَهْدِ، وَمُضْعِفُ الْقُوَّةِ عَنْ الْوَفَاءِ بِالْحُقُوقِ وَتَبَدُّلُ الرِّقَّةِ بِالْقَسْوَةِ وَأَنْ يُوَكَّلَ إلَى مَا اتَّكَلَ عَلَيْهِ مِنْ حَسَنَاتِهِ، وَالِاشْتِغَالُ عَنْ اللَّهِ وَتَعْجِيلُ الْعُقُوبَةِ

١٠٬٢٥٧ / ١١٬٧٠٢ الأصل المصوَّر ١٦ م.ب.