شرح كتاب النيل وشفاء العليل امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

الجزء السادس عشر

الجزء ١٦ · صفحة ٦٢٢

الرَّجَاءُ تَشَوَّشَ الْقَلْبُ، وَقَالَ أَبُو الْحُسَيْنِ الضَّرِيرُ: عَلَامَةُ السَّعَادَةِ خَوْفُ الشَّقَاوَةِ لِأَنَّ الْخَوْفَ زِمَامٌ بَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى وَبَيْنَ عَبْدِهِ، فَإِذَا انْقَطَعَ زِمَامُهُ هَلَكَ فِي الْهَالِكِينَ، وَقِيلَ لِيَحْيَى بْنِ مُعَاذٍ: مَنْ آمَنُ الْخَلْقِ غَدًا؟.

قَالَ: أَشَدُّهُمْ خَوْفًا الْيَوْمَ؛ وَقَالَ سَهْلٌ: لَا تَجِدُ الْخَوْفَ حَتَّى تَأْكُلَ الْحَلَالَ، وَقِيلَ لِلْحَسَنِ: يَا أَبَا سَعِيدٍ كَيْفَ نَصْنَعُ؟ نُجَالِسُ أَقْوَامًا يُخَوِّفُونَنَا حَتَّى تَكَادَ عُقُولُنَا تَطِيرُ؛ قَالَ: وَاَللَّهِ إنَّكَ إنْ تُخَالِطُ أَقْوَامًا يُخَوِّفُونَكَ حَتَّى يُدْرِكَكَ أَمْنٌ خَيْرٌ لَكَ مِنْ أَنْ تَصْحَبَ قَوْمًا يُؤَمِّنُونَكَ حَتَّى يُدْرِكَكَ الْخَوْفُ.

وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ الدَّارَانِيُّ: مَا فَارَقَ الْخَوْفُ قَلْبًا إلَّا خَرِبَ، {قَالَتْ عَائِشَةُ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ ﴿وَاَلَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ﴾ هُوَ الرَّجُلُ يَسْرِقُ وَيَزْنِي تَعْنِي يَتَصَدَّقُ وَيَفْعَلُ الْفَوَاحِشَ؟ قَالَ: بَلْ الرَّجُلُ يُصَلِّي وَيَصُومُ وَيَتَصَدَّقُ وَيَخَافُ أَنْ لَا يُقْبَلَ}.

وَالْخَوْفُ وَالرَّجَاءُ لَازِمَانِ لَا يَنْفَكُّ أَحَدُهُمَا عَنْ الْآخَرِ وَيَغْلِبُ أَحَدُهُمَا الْآخَرَ وَهُمَا يَجْتَمِعَانِ، وَيَجُوزُ أَنْ يَشْتَغِلَ الْقَلْبُ بِأَحَدِهِمَا وَلَا يَلْتَفِتَ إلَى الْآخَرِ فِي الْحَالِ لِغَفْلَتِهِ عَنْهُ، وَهَذَا لِأَنَّ مِنْ شَرْطِ الرَّجَاءِ وَالْخَوْفِ تَعَلُّقُهُمَا بِمَا هُوَ مَشْكُوكٌ فِيهِ، فَبِتَقْدِيرِ وُجُودِ الْمَحْبُوبِ يُرَوَّحُ الْقَلْبُ، فَذَلِكَ الرَّجَاءُ، وَبِتَقْدِيرِ عَدَمِهِ يَتَوَجَّعُ فَذَلِكَ الْخَوْفُ، وَذَلِكَ عَلَى حَدٍّ سَوَاءٍ، وَقَدْ يَتَرَجَّحُ بِحُضُورِ بَعْضِ الْأَسْبَابِ وَيُسَمَّى ظَنًّا، وَعَلَى كُلِّ حَالٍ يَتَلَازَمَانِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿يَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا﴾ وَقَالَ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا﴾، وَلِذَلِكَ عَبَّرَ لِلْعَرَبِ عَنْ الْخَوْفِ بِالرَّجَاءِ فَقَالَ تَعَالَى: ﴿مَا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا﴾ وَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: {مَا مِنْ عَبْدٍ مُؤْمِنٍ تَخْرُجُ مِنْ عَيْنِهِ دَمْعَةٌ وَإِنْ كَانَتْ مِثْلَ رَأْسِ الذُّبَابِ

١٠٬٢٦٠ / ١١٬٧٠٢ الأصل المصوَّر ١٦ م.ب.