الجزء السادس عشر
الجزء ١٦ · صفحة ٦٢٤يَنْكَسِرَ ظَهْرُهُ، وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ الدَّارَانِيُّ: مَا تَغَرْغَرَتْ عَيْنٌ بِمَائِهَا إلَّا لَمْ يُرْهِقْ وَجْهَ صَاحِبِهَا قَتَرٌ وَلَا ذِلَّةٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَإِنْ سَالَتْ دُمُوعُهُ أُطْفِئَتْ بِأَوَّلِ قَطْرَةٍ مِنْهَا بِحَارٌ مِنْ النِّيرَانِ، وَلَوْ أَنَّ رَجُلًا بَكَى فِي أُمَّةٍ مَا عُذِّبَتْ تِلْكَ الْأُمَّةُ أَيْ بَكَى لِذُنُوبِ أُمَّةٍ أَيْ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ قَالَ كَعْبُ الْأَحْبَارِ: وَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَأَنْ أَبْكِيَ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ حَتَّى تَسِيلَ الدُّمُوعُ عَلَى وَجْنَتَيَّ أَحَبُّ إلَيَّ مِنْ أَنْ أَتَصَدَّقَ بِجَبَلٍ ذَهَبًا.
وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ: لَأَنْ أَدْمَعَ دَمْعَةً مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ أَحَبُّ إلَيَّ مِنْ أَنْ أَتَصَدَّقَ بِأَلْفِ دِينَارٍ، وَعَنْ حَنْظَلَةَ ﴿: كُنَّا عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؛ فَوَعَظَنَا مَوْعِظَةً رَقَّتْ لَهَا الْقُلُوبُ وَذَرَفَتْ مِنْهَا الْعُيُونُ وَعَرَفْنَا أَنْفُسَنَا فَرَجَعْتُ إلَى أَهْلِي فَدَنَتْ مِنِّي الْمَرْأَةُ وَجَرَى بَيْنَنَا حَدِيثُ الدُّنْيَا فَنَسِيتُ مَا كُنْتُ عَلَيْهِ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَأَخَذْنَا فِي الدُّنْيَا ثُمَّ تَذَكَّرْتُ مَا كُنْتُ فِيهِ فَقُلْتُ فِي نَفْسِي: قَدْ نَافَقْتُ حِينَ تَحَوَّلَ عَنِّي مَا كُنْتُ فِيهِ مِنْ الْخَوْفِ وَالرِّقَّةِ، فَخَرَجْتُ وَجَعَلْتُ أُنَادِي نَافَقَ حَنْظَلَةُ فَاسْتَقْبَلَنِي أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَقَالَ: كَلًّا لَمْ يُنَافِقْ حَنْظَلَةُ، فَدَخَلْتُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَنَا أَقُولُ نَافَقَ حَنْظَلَةُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، كَلًّا لَمْ يُنَافِقْ حَنْظَلَةُ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ كُنَّا عِنْدَكَ فَوَعَظْتَنَا مَوْعِظَةً وَجِلَتْ مِنْهَا الْقُلُوبُ وَذَرَفَتْ مِنْهَا الْعُيُونُ وَعَرَفْنَا أَنْفُسَنَا فَرَجَعْتُ إلَى أَهْلِي فَأَخَذْنَا فِي حَدِيثِ الدُّنْيَا وَنَسِينَا مَا كُنَّا عِنْدَكَ عَلَيْهِ فَقَالَ: يَا حَنْظَلَةُ لَوْ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ أَبَدًا عَلَى تِلْكَ الْحَالِ لَصَافَحَتْكُمْ الْمَلَائِكَةُ فِي الطُّرُقِ وَعَلَى فُرُشِكُمْ، وَلَكِنْ يَا حَنْظَلَةُ سَاعَةً وَسَاعَةً﴾.
التَّنْبِيهُ الثَّامِنُ: لَا يُقَالُ: الرَّجَاءُ مُطْلَقًا أَفْضَلُ، وَلَا الْخَوْفُ أَفْضَلُ مُطْلَقًا، بَلْ إنْ اغْتَرَّ الْقَلْبُ وَغَلَبَ عَلَيْهِ دَاءُ الْأَمْنِ أَوْ الْمَعَاصِي فَالْخَوْفُ أَفْضَلُ، وَإِنْ غَلَبَ الْقُنُوطُ فَالرَّجَاءُ أَفْضَلُ، وَإِنْ اسْتَوَيَا فَلْيَعْتَدِلْ فِي الْخَوْفِ وَالرَّجَاءِ، كَمَا