شرح كتاب النيل وشفاء العليل امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

الجزء السادس عشر

الجزء ١٦ · صفحة ٦٢٥

تَقُولُ: الْخُبْزُ أَفْضَلُ لِلْجَائِعِ، وَالْمَاءُ أَفْضَلُ لِلْعَطْشَانِ، وَإِنْ اسْتَوَى الْعَطَشُ وَالْجُوعُ وَاجْتَمَعَا فَالْمَاءُ وَالْخُبْزُ مُسْتَوِيَانِ، وَكَذَلِكَ مَنْ تَرَكَ ظَاهِرَ الْإِثْمِ وَبَاطِنَهُ فَلْيَعْتَدِلْ لَهُ الْخَوْفُ وَالرَّجَاءُ، وَقَالَ عَلِيٌّ لِبَعْضِ وَلَدِهِ: يَا بُنَيَّ خَفْ اللَّهَ خَوْفًا تَرَى أَنَّكَ لَوْ أَتَيْتَ بِحَسَنَاتِ أَهْلِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَمْ يَتَقَبَّلْهَا مِنْكَ، وَارْجُ اللَّهَ رَجَاءً تَرَى أَنَّكَ لَوْ أَتَيْتَ بِسَيِّئَاتِ أَهْلِ الْأَرْضِ غَفَرَهَا اللَّهُ لَكَ، وَعَنْ عُمَرَ لَوْ نُودِيَ: يَدْخُلُ النَّارَ النَّاسُ كُلُّهُمْ إلَّا رَجُلًا لَرَجَوْتُ أَنْ أَكُونَ ذَلِكَ الرَّجُلُ، وَلَوْ نُودِيَ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ النَّاسُ كُلُّهُمْ إلَّا رَجُلًا وَاحِدًا لَخَشِيتُ أَنْ أَكُونَ ذَلِكَ الرَّجُلُ، وَذَلِكَ مِنْ طَرِيقِ الِاعْتِدَالِ، وَكَانَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يُبَالِغُ فِي تَفْتِيشِ قَلْبِهِ حَتَّى كَانَ يَسْأَلُ حُذَيْفَةَ هَلْ يَعْرِفُ بِهِ مِنْ آثَارِ النِّفَاقِ شَيْئًا إذْ كَانَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَصَّهُ بِعِلْمِ الْمُنَافِقِينَ، فَمَنْ اعْتَقَدَ نَقَاءَ قَلْبِهِ فَمِنْ أَيْنَ يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ تَعَالَى، وَلَوْ صَحَّ فَمِنْ أَيْنَ يَأْمَنُ نَقَاءَهُ إلَى حُسْنِ الْخَاتِمَةِ وَقَدْ قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ﴿إنَّ الرَّجُلَ لَيَعْمَلُ عَمَلَ أَهْلِ الْجَنَّةِ خَمْسِينَ سَنَةً حَتَّى لَا يَبْقَى بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجَنَّةِ إلَّا شِبْرٌ وَرُوِيَ إلَّا قَدْرَ فَوَاقِ نَاقَةٍ فَيَسْبِقُ عَلَيْهِ الْكِتَابُ فَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ﴾، وَقَدْرُ فَوَاقِ النَّاقَةِ مِقْدَارُ خَاطِرٍ يَخْتَلِجُ فِي الْقَلْبِ عِنْدَ الْمَوْتِ فَيَقْتَضِي خَاتِمَةَ السُّوءِ وَالْأَصْلَحُ لِأَهْلِ هَذَا الزَّمَانِ غَلَبَةُ

الْخَوْفِ بِشَرْطِ أَنْ لَا يُخْرِجَهُمْ إلَى الْقُنُوطِ، وَتَرْكِ الْعَمَلِ؛ قَالَ مَكْحُولٌ الدِّمَشْقِيُّ: مَنْ عَبَدَ اللَّهَ بِالْخَوْفِ فَهُوَ حَرُورِيٌّ، وَمَنْ عَبَدَهُ بِالْمَحَبَّةِ فَهُوَ زِنْدِيقٌ، وَمَنْ عَبَدَهُ بِالْخَوْفِ وَالرَّجَاءِ وَالْمَحَبَّةِ فَهُوَ مُوَحِّدٌ، وَأَرَادَ بِالْحَرُورِيِّ مَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ حَرُورَاءَ صِفْرِيًّا.

وَمِنْ أَسْبَابِ الرَّجَاءِ الْحُبُّ، فَإِنَّ الْمُحِبَّ لَا يُعَذِّبُ مَحْبُوبَهُ، وَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ﴿فِي دُعَائِهِ: اللَّهُمَّ اُرْزُقْنِي حُبَّكَ وَحُبَّ مَنْ أَحَبَّكَ، وَحُبَّ مَنْ يُقَرِّبُنِي إلَى حُبِّكَ، وَاجْعَلْ حُبَّكَ أَحَبَّ إلَيَّ مِنْ الْمَاءِ الْبَارِدِ﴾ وَيَكُونُ الرَّجَاءُ أَيْضًا سَبَبًا لِلْحُبِّ

١٠٬٢٦٣ / ١١٬٧٠٢ الأصل المصوَّر ١٦ م.ب.