الجزء السادس عشر
الجزء ١٦ · صفحة ٦٢٦فَغَلَبَةُ الرَّجَاءِ عِنْدَ الْمَوْتِ أَصْلَحُ لِأَنَّهُ أَجَلَبُ لِلْحُبِّ وَغَلَبَةُ الْخَوْفِ قَبْلَ ذَلِكَ أَصْلَحُ بِلَا إيَاسٍ لِأَنَّهُ أَقْمَعُ لِلشَّهَوَاتِ، قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ﴿: لَا يَمُوتَنَّ أَحَدُكُمْ إلَّا وَهُوَ يُحْسِنُ الظَّنَّ بِرَبِّهِ﴾، ﴿وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي فَلْيَظُنَّ بِي مَا شَاءَ﴾ وَلَمَّا حَضَرَ سُلَيْمَانَ التَّمِيمِيَّ الْوَفَاةُ وَاشْتَدَّ جَزَعُهُ جَمَعَ الْعُلَمَاءَ حَوْلَهُ يَرْجُونَهُ، وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ لِابْنِهِ عِنْدَ الْمَوْتِ: اُذْكُرْ لِي الْأَخْبَارَ الَّتِي فِيهَا الرَّجَاءُ وَحُسْنُ الظَّنِّ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
التَّنْبِيهُ التَّاسِعُ: الْخَوْفُ إمَّا مِنْ ذَاتِ اللَّهِ تَعَالَى وَهُوَ خَوْفُ الْعُلَمَاءِ وَأَرْبَابِ الْقُلُوبِ الْعَارِفِينَ مِنْ صِفَاتِهِ مَا يَقْتَضِي الْهَيْبَةَ وَالْخَوْفَ وَالْحَذَرَ، الْمُطَّلِعِينَ عَلَى سِرِّ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَيُحَذِّرُكُمْ اللَّهُ نَفْسَهُ﴾، وقَوْله تَعَالَى: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ﴾، وَإِمَّا مِنْ عَذَابِهِ وَهُوَ خَوْفُ عَامَّةِ الْخَلْقِ وَهُوَ حَاصِلٌ بِأَصْلِ الْإِيمَانِ بِالْجَنَّةِ وَالنَّارِ وَكَوْنِهِمَا جَزَاءً عَلَى الطَّاعَةِ وَالْمَعْصِيَةِ؛ وَضَعْفُهُ سَبَبُ الْغَفْلَةِ، وَسَبَبُ ضَعْفِ الْإِيمَانِ وَنُزُولِ الْغَفْلَةِ بِالتَّذْكِيرِ وَمُلَازَمَةِ الْفِكْرِ فِي أَهْوَالِ الْحَشْرِ وَعَذَابِ الْآخِرَةِ بِأَصْنَافِهِ، وَالْأَوَّلُ أَعْلَى وَهُوَ خَوْفُ الْعَبْدِ مِنْ اللَّهِ، قَالَ ذُو النُّونِ: خَوْفُ النَّارِ عَنْهُ خَوْفُ الْفِرَاقِ كَقَطْرَةٍ قَطَرَتْ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ وَلِعَامَّةِ الْمُؤْمِنِينَ حَظٌّ مِنْهُ وَلَكِنْ بِمُجَرَّدِ التَّقْلِيدِ يُضَاهِي خَوْفَ الصَّبِيِّ مِنْ الْحَيَّةِ تَقْلِيدًا لِأَبِيهِ ﴿وَكَانَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَشَدَّ النَّاسِ خَوْفًا، حَتَّى رُوِيَ أَنَّهُ كَانَ يُصَلِّي عَلَى طِفْلٍ، وَفِي رِوَايَةٍ سُمِعَ يَقُولُ فِي دُعَائِهِ: اللَّهُمَّ قِه عَذَابَ الْقَبْرِ وَعَذَابَ النَّارِ، وَسَمِعَ قَائِلًا يَقُولُ: هَنِيئًا لَكَ، عُصْفُورٌ مِنْ عَصَافِيرِ الْجَنَّةِ، فَغَضِبَ وَقَالَ: مَا يُدْرِيكَ أَنَّهُ كَذَلِكَ، وَاَللَّهِ إنِّي رَسُولُ اللَّهِ وَمَا أَدْرِي مَا يُصْنَعُ بِي، إنَّ اللَّهَ خَلَقَ الْجَنَّةَ وَخَلَقَ لَهَا أَهْلًا لَا يُزَادُ فِيهِمْ وَلَا يُنْقَصُ مِنْهُمْ﴾، وَذَلِكَ قَبْلَ أَنْ يَعْلَمَ أَنَّ الْأَطْفَالَ