الجزء السادس عشر
الجزء ١٦ · صفحة ٦٣٥يَدَيْ اللَّهِ رَبِّنَا مَوْقِفُنَا، وَمَرَّ الْحَسَنُ بِشَابٍّ وَهُوَ مُسْتَغْرِقٌ فِي الضَّحِكِ وَهُوَ جَالِسٌ مَعَ قَوْمٍ فِي مَجْلِسٍ فَقَالَ لَهُ الْحَسَنُ: يَا فَتَى هَلْ مَرَرْتَ بِالصِّرَاطِ؟ قَالَ: لَا، قَالَ: فَهَلْ تَدْرِي إلَى الْجَنَّةِ تَصِيرُ أَمْ إلَى النَّارِ؟ قَالَ: لَا، قَالَ: فَمَا هَذَا الضَّحِكُ، فَمَا رُئِيَ ذَلِكَ الْفَتَى بَعْدَهَا ضَاحِكًا.
قَالَ حَاتِمٌ الْأَصَمُّ: لَا تَغْتَرَّ بِمَوْضِعٍ صَالِحٍ فَلَا مَكَانَ أَصْلَحُ مِنْ الْجَنَّةِ، وَلَقَدْ لَقِيَ آدَم فِيهَا مَا لَقِيَ، وَلَا تَغْتَرَّ بِكَثْرَةِ الْعِبَادَةِ فَإِنَّ إبْلِيسَ؛ بَعْدَ طُولِ تَعَبُّدِهِ لَقِيَ مَا لَقِيَ، وَلَا تَغْتَرَّ بِكَثْرَةِ الْعِلْمِ فَإِنَّ بلعام كَانَ يُحْسِنُ اسْمَ اللَّهِ الْأَعْظَمَ فَانْظُرْ مَاذَا لَقِيَ، وَلَا تَغْتَرَّ بِرُؤْيَةِ الصَّالِحِينَ فَلَا شَخْصَ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى مَنْزِلَةً مِنْ الْمُصْطَفَى صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَمْ يَنْتَفِعْ بِلِقَائِهِ أَقَارِبُهُ وَأَعْدَاؤُهُ.
وَقَالَ السَّرِيُّ السَّقَطِيُّ: إنِّي لَأَنْظُرُ إلَى أَنْفِي كُلَّ يَوْمٍ مَرَّاتٍ مَخَافَةَ أَنْ يَكُونَ قَدْ اسْوَدَّ وَجْهِي، وَقَالَتْ لِمُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ الْقُرَظِيّ أُمُّهُ: يَا بُنَيَّ إنِّي أَعْرِفُكَ صَغِيرًا طَيِّبًا وَكَبِيرًا طَيِّبًا كَأَنَّكَ أَحْدَثْتَ حَدَثًا مُوبِقًا لِمَا أَرَاك تَصْنَعُ فِي لَيْلِكَ وَنَهَارِكَ، فَقَالَ: يَا أُمَّاهُ مَا يُؤَمِّنُنِي أَنْ يَكُونَ اللَّهُ تَعَالَى قَدْ اطَّلَعَ عَلَيَّ وَأَنَا عَلَى بَعْضِ ذُنُوبِي فَيَمْقُتَنِي، فَقَالَ: وَعِزَّتِي وَجَلَالِي لَا غَفَرْتُ لَكَ.
وَقَالَ الْفُضَيْلُ: إنِّي لَا أَغْبِطُ مَلَكًا مُقَرَّبًا وَلَا نَبِيًّا مُرْسَلًا وَلَا عَبْدًا صَالِحًا، أَلَيْسَ هَؤُلَاءِ يُعَايِنُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، إنَّمَا أَغْبِطُ مَنْ لَمْ يُخْلَقْ وَرُوِيَ أَنَّ {فَتًى مِنْ الْأَنْصَارِ دَخَلَتْهُ خَشْيَةُ النَّارِ فَكَانَ يَبْكِي حَتَّى حَبَسَهُ ذَلِكَ فِي الْبَيْتِ، فَجَاءَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ فَدَخَلَ عَلَيْهِ وَاعْتَنَقَهُ فَخَرَّ مَيِّتًا فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: جَهِّزُوا صَاحِبَكُمْ فَإِنَّ الْفَرَقَ مِنْ النَّارِ فَتَّتَ كَبِدَهُ} وَرُوِيَ عَنْ ابْنِ أَبِي مَيْسَرَةَ أَنَّهُ كَانَ إذَا أَوَى إلَى فِرَاشِهِ يَقُولُ: يَا لَيْتَ أُمِّي لَمْ تَلِدْنِي، فَقَالَتْ أُمُّهُ: يَا مُيَسَّرَةُ إنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدْ أَحْسَنَ إلَيْكَ، هَدَاكَ إلَى الْإِسْلَامِ، قَالَ: أَجَلْ، وَلَكِنَّ اللَّهَ قَدْ بَيَّنَ لَنَا أَنَّا وَارِدُوا النَّارَ وَلَمْ يُبَيِّنْ لَنَا أَنَّا صَادِرُونَ عَنْهَا.