الجزء السابع عشر
الجزء ١٧ · صفحة ٤٧شَكِّهِمْ أَنَّهُ عِنْدَ اللَّهِ كَمَا قَالُوا أَوْ عَلَى خِلَافِهِ إنْ وُجِدَ مِنْهُمْ. .............................
----------------
شَكِّهِمْ)، أَيْ الْعُلَمَاءِ أَصْحَابِ الْقَوْلِ (أَنَّهُ) أَيْ الْقَوْلَ الَّذِي قَالُوهُ (عِنْدَ اللَّهِ كَمَا قَالُوا أَوْ عَلَى خِلَافِهِ)، أَيْ عَلَى خِلَافِ مَا عِنْدَ اللَّهِ أَوْ خِلَافِ الْحَقِّ وَرُدَّ الضَّمِيرُ إلَى مَا عِنْدَ اللَّهِ أَوْ الْحَقِّ لِدَلَالَةِ الْكَلَامِ عَلَيْهِ (إنْ وُجِدَ مِنْهُمْ)، أَيْ وُجِدَ الشَّكُّ مِنْ الْعُلَمَاءِ هَلْ مَا قَالَهُ حَقٌّ عِنْدَ اللَّهِ وَإِنَّمَا قَالَ إنْ وُجِدَ مِنْهُمْ، لِأَنَّهُ قَدْ لَا يَشُكُّونَ بَلْ يُذْهَلُونَ وَقَدْ يَقْطَعُونَ بِأَنَّهُ حَقٌّ عِنْدَ اللَّهِ فَيَعْصُونَ بِذَلِكَ، وَلِلْمُقَلِّدِ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ تَقْلِيدُهُمْ وَإِنْ كَانَ مِمَّا لَا يَسَعُ فِيهِ الْخِلَافُ قَطَعَ أَهْلُ الْعَدْلِ وَالصَّوَابِ بِأَنَّ مَا قَالُوهُ حَقٌّ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى وَيُطِيعُونَ بِهَذَا وَلَا يَعْصُونَ، وَيَجِبُ اتِّبَاعُ قَائِلِهِ وَتَرْكُ غَيْرِهِ، وَيُحَتِّمُونَ أَنَّهُ حَقٌّ لِأَنَّ مَبْنَاهُ عَلَى الْقَطْعِ وَبِنَاءُ الْفُرُوعِ عَلَى غَلَبَةِ الظَّنِّ.
قَالَ ابْنُ السُّبْكِيّ وَالْمَحَلِّيُّ وَغَيْرُهُمَا: الْمُصِيبُ فِي الْعَقْلِيَّاتِ وَهِيَ مَا لَا يَتَوَقَّفُ عَلَى سَمْعِ وَاحِدٍ وَهُوَ مَنْ صَادَفَ الْحَقَّ فِيهَا لِتَعْيِينِهِ فِي الْوَاقِعِ كَحُدُوثِ الْعَالَمِ وَوُجُودِ الْبَارِي وَصِفَاتِهِ وَبَعْثِ الرُّسُلِ وَيُمْكِنُ فِي الْعَقْلِيَّاتِ، قِيلَ: أَنْ يُخْطِئَ كُلٌّ عِنْدَ اللَّهِ، وَقَالَ الْجَاحِظُ وَالْعَنْبَرِيُّ: لَا يَأْثَمُ الْمُخْطِئُ فِي الْعَقْلِيَّاتِ بِاجْتِهَادِهِ وَأَشْرَكَ إنْ نَفَى الْإِسْلَامَ كُلَّهُ أَوْ بَعْضَهُ كَبَعْثَتِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَقِيلَ عَنْ الْعَنْبَرِيِّ: كُلُّ مُجْتَهِدٍ فِي الْعَقْلِيَّاتِ مُصِيبٌ، وَحُكِيَ الْإِجْمَاعُ عَلَى خِلَافِ قَوْلِهِمَا قَبْلَ ظُهُورِهِمَا وَأَمَّا فِي الْفُرُوعِ فَقَالَ أَبُو الْحَسَنِ الْأَشْعَرِيُّ وَالْبَاقِلَّانِيّ: حُكْمُ اللَّهِ فِيهَا تَابِعٌ لِظَنِّ الْمُجْتَهِدِ، وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ وَابْنُ سُرَيْجٍ: هُنَاكَ لَمْ يَحْكُمْ اللَّهُ فِيهَا، وَلَكِنْ لَوْ حَكَمَ لَحَكَمَ بِذَلِكَ الشَّيْءِ، فَمَنْ لَمْ يُصَادِفْ ذَلِكَ الشَّيْءَ عِنْدَ اللَّهِ فَقَدْ أَصَابَ اجْتِهَادًا لَا حُكْمًا وَابْتِدَاءً لَا انْتِهَاءً فَهُوَ مُخْطِئٌ حُكْمًا وَانْتِهَاءً، وَالصَّحِيحُ وِفَاقًا لِلْجُمْهُورِ أَنَّ الْمُصِيبَ فِي الْفُرُوعِ أَيْضًا وَاحِدٌ يُصَادِفُ مَا عِنْدَ اللَّهِ، وَالصَّحِيحُ أَنَّ عَلَيْهِ أَمَارَةٌ وَأَنَّهُ مُكَلَّفٌ بِإِصَابَتِهِ وَإِنَّ مُخْطِئَهُ لَا يَأْثَمُ لِغُمُوضِهِ بَلْ يُؤْجَرُ بِبَذْلِهِ وَسْعَهُ.
وَقِيلَ: