الجزء السابع عشر
الجزء ١٧ · صفحة ١٤٤وَيَلْزَمُهُ فِي الْفَرَائِضِ حُبُّهَا وَإِرَادَتُهَا مِنْ جِهَةِ الطَّاعَةِ وَالثَّوَابِ. .............................
----------------
(وَيَلْزَمُهُ فِي الْفَرَائِضِ حُبُّهَا وَإِرَادَتُهَا مِنْ جِهَةِ الطَّاعَةِ وَالثَّوَابِ) أَيْ يَلْزَمُهُ حُبُّ الثَّوَابِ عَلَيْهَا وَأَمَّا حُبُّهَا مِنْ حَيْثُ فِعْلُهَا فَلَا يَلْزَمُهُ لِأَنَّهُ يُعْذَرُ فِي كَوْنِهَا صَعْبَةً عَلَيْهِ، شَاقَّةً مَكْرُوهَةً لَهُ كَرَاهَةَ طَبْعٍ لِأَنَّ فِيهَا تَكَلُّفًا بِتَأَلُّمٍ، أَوْ أَرَادَ
بِالْحُبِّ الْقَصْدَ إلَيْهَا فَفَسَّرَهُ بِالْإِرَادَةِ وَاعْلَمْ أَنَّ الرِّضَى ثَمَرَةٌ مِنْ ثِمَارِ الْمَحَبَّةِ وَهُوَ مِنْ أَعْلَى مَقَامَاتِ الْمُقَرَّبِينَ، لَكِنْ تَفَاوَتَ النَّاسُ فِيهِ، وَأَنْكَرَ قَوْمٌ الرِّضَى بِمَا يُخَالِفُ الْهَوَى، قَالُوا: وَإِلَّا لَزِمَ الرِّضَى بِالْكُفْرِ وَالْمَعَاصِي، وَأَهْلُ الْحَقِّ يُسَلِّمُونَ الرِّضَى بِالْكُفْرِ وَالْمَعَاصِي مِنْ حَيْثُ إنَّهَا قَضَاءُ اللَّهِ لَا حُبَّهَا فَإِنَّ حُبَّهَا مَعْصِيَةٌ، وَزَعَمَ هَؤُلَاءِ الْمُنْكِرُونَ أَنَّهُ لَا يُتَصَوَّرُ فِيمَا يُخَالِفُ الْهَوَى إلَّا الصَّبْرُ وَيَرُدُّهُ أَنَّ الْحُبَّ يُوَرِّثُ الرِّضَى بِفِعْلِ الْحَبِيبِ مِنْ وَجْهَيْنِ:.
الْأَوَّلِ: أَنْ يَبْطُلَ الْإِحْسَاسُ بِالْأَلَمِ لِاسْتِغْرَاقِ الْقَلْبِ بِالْحُبِّ، كَمَا لَا يَجِدُ الْأَلَمَ بِالْجُرْحِ مَنْ اشْتَدَّ غَضَبُهُ فِي حَرْبٍ أَوْ غَيْرِهَا، وَكَمَا لَا يَجِدُهُ مِنْ اسْتَغْرَقَ الْخَوْفُ قَلْبَهُ أَوْ شِدَّةُ عِلَاجِ عَمَلٍ شَدِيدٍ، فَكَذَا إنْ اسْتَغْرَقَهُ الْحُبُّ، وَيُتَصَوَّرُ ذَلِكَ فِي أَلَمٍ يَسِيرٍ بِسَبَبِ حُبٍّ يَسِيرٍ، فَيُتَصَوَّرُ فِي الْأَلَمِ الْعَظِيمِ بِسَبَبِ الْحُبِّ الْعَظِيمِ، وَكُلُّ مَا كَانَ عِنْدَهُ مِنْ نِعَمِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ لَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَعْلَمَ أَنَّهَا أَعْظَمُ مِمَّا كَانَتْ، وَلَا شُكْرَهَا بِأَعْظَمَ مِنْهَا، وَلَا أَنْ يَجْعَلَ لَهَا مَنْزِلَةً أَعْظَمَ مِنْ مَنْزِلَتِهَا، وَيَجِبُ تَصْغِيرُ الْمَعْصِيَةِ عَلَى قَدْرِ مَنْزِلَتِهَا بِمَا بَلَغَتْ، وَلَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يُقَبِّحَهَا فَوْقَ مَا كَانَتْ، وَلَا يَجْعَلَهَا أَصْغَرَ مِمَّا كَانَتْ، وَلَا أَنْ يُوجِبَ عَلَيْهَا عِقَابًا لَمْ يَكُنْ عَلَيْهَا، وَيُعِينُ عَلَى الرِّضَى تَصْغِيرُ الرَّجُلِ نَفْسَهُ وَتَهْوِينُهَا، وَأَنْ يَرَى مَنْزِلَتَهُ دُونَ غَيْرِهِ مِنْ أَهْلِ الْخَيْرِ، وَيَرَى نَفْسَهُ مُفَرِّطًا مُقَصِّرًا فِي قَوْلِهِ وَفِعْلِهِ وَاعْتِقَادِهِ، وَيُحَقِّرُ وَلَا يَتَّكِلُ عَلَى عَمَلٍ، وَلَا يَأْمَنُ بِهِ ضُرَّ الدُّنْيَا وَلَا الْآخِرَةِ، وَلْيُعَظِّمْ ذَنْبَهُ وَيَخَفْ الِانْتِقَامَ بِهِ فِيهِمَا، وَلَا يَحِلُّ