الجزء السابع عشر
الجزء ١٧ · صفحة ١٥٧........................
----------------
وَاعْلَمْ أَنَّ الْفِرَارَ مِنْ مَظَانِّ الْمَعَاصِي، وَالْمَوْتِ لَيْسَ خُرُوجًا عَنْ الرِّضَى، وَأَنَّهُ نَهَى عَنْ الْخُرُوجِ عَنْ الطَّاعُونِ لِئَلَّا يَبْقَى الْمَرْضَى بِلَا قَائِمٍ بِهَا، وَجَاءَ أَنَّ مَنْ قَارَبَهُ لَهُ الذَّهَابُ عَنْهُ، وَاخْتَلَفُوا هَلْ الْأَفْضَلُ مَنْ يُحِبُّ الْمَوْتَ شَوْقًا إلَى لِقَاءِ اللَّهِ، أَوْ يُحِبُّ الْبَقَاءَ لِعِبَادَةِ اللَّهِ تَعَالَى؟ أَوْ مَنْ قَالَ: لَا أَخْتَارُ بَلْ أَرْضَى بِمَا اخْتَارَهُ اللَّهُ لِي وَقَدْ سُئِلَ بَعْضُ الْعَارِفِينَ فَقَالَ: صَاحِبُ الرِّضَى أَفْضَلُ لِأَنَّهُ أَقَلُّ فُضُولًا، قَالَ
سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ: كُنْت أَكْرَهُ مَوْتَ الْفَجْأَةِ وَالْيَوْمَ أُحِبُّهُ لِمَا أَتَخَوَّفُ مِنْ الْفِتْنَةِ، فَقَالَ لَهُ يُوسُفُ بْنُ أَسْبَاطَ: لَا أَكْرَهُ الْبَقَاءَ لَعَلِّي أُصَادِفُ يَوْمًا أَتُوبُ فِيهِ وَأَعْمَلُ صَالِحًا، فَقَالَ لَهُمَا وُهَيْبٍ بْنُ الْوَرْدِ: لَا أَخْتَارُ شَيْئًا، أَحَبُّ ذَلِكَ إلَيَّ أَحَبُّهُ إلَى اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، فَقَبَّلَ الثَّوْرِيُّ بَيْنَ عَيْنَيْهِ فَقَالَ: رُوحَانِيَّةٌ وَرَبِّ الْكَعْبَةِ وَفِي السُّؤَالَاتِ ": الْحَيَاةُ خَيْرٌ مِنْ الْمَوْتِ إنْ كُنْت تُرِيدُ مَا بَيْنَ الْحَيَاةِ وَالْمَوْتِ، وَإِنْ أَرَدْت لِمَا بَعْدَ الْمَوْتِ لِيَزْدَادَ الْعَمَلُ الصَّالِحُ فَالْحَيَاةُ أَيْضًا خَيْرٌ مِنْ الْمَوْتِ، وَإِنْ أَرَدْتَ الِاسْتِرَاحَةَ مِنْ مَشَاقِّ الدُّنْيَا فَالْمَوْتُ خَيْرٌ لَكَ.
قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ﴿الدُّنْيَا سِجْنُ الْمُؤْمِنِ وَالْقَبْرُ حِصْنُهُ وَالْجَنَّةُ مَأْوَاهُ﴾، وَالْحَيَاةُ لِلْكَافِرِ فَضِيلَةٌ إنْ أَرَدْت مَا بَيْنَ الْحَيَاةِ وَالْمَوْتِ، وَإِنْ أَرَدْت مَا قَبْلَ الْمَوْتِ مِنْ الْمَعَاصِي يَزِيدُهَا فَالْمَوْتُ خَيْرٌ لَهُ، وَانْطِلَاقُ لِسَانِ الْكَافِرِ خَيْرٌ لَهُ إنْ أَرَدْت مَا بَيْنَ الْخَرَسِ