الجزء السابع عشر
الجزء ١٧ · صفحة ١٦٦........................
----------------
وَاعْلَمْ أَنَّ الْقَدَرَ وَالطَّلَبَ لَا يَتَنَافَيَانِ، وَالتَّوْكِيلَ وَالْكَسْبَ لَا يَتَضَادَّانِ، فَإِنَّ اللَّهَ يُقَدِّرُ الشَّيْءَ وَيَصِلُ إلَيْك بِالطَّلَبِ، وَالطَّلَبُ أَيْضًا مُقَدَّرٌ، وَالتَّوَكُّلُ فِي الْقَلْبِ، وَالْكَسْبُ فِي الْجَوَارِحِ، وَقِيلَ: وَمَنْ خَالَفَ الْمُسْلِمِينَ فِي الْقَضَاءِ وَالْقَدَرِ فَقَدْ وَافَقَهُمْ فِي الْعِلْمِ قُلْت: بَلْ بَعْضُ مَنْ خَالَفَهُمْ يَنْفِي عَنْ اللَّهِ الْعِلْمَ بِالشَّيْءِ حَتَّى يَكُونَ، وَهُوَ مَنْ أَضَافَ الْخَلْقَ لِفِعْلِهِ إلَى نَفْسِهِ، وَلَعَلَّ الَّذِي وَافَقَهُمْ مَنْ لَا يَنْسِبُ الْخَلْقَ
إلَّا إلَى اللَّهِ تَعَالَى، وَلَكِنْ زَعَمَ أَنَّ اللَّهَ لَمْ يُقَدِّرْ الشَّرَّ وَعَنْهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ﴿: إنَّ لِكُلِّ شَيْءٍ حَقِيقَةً وَمَا بَلَغَ عَبْدٌ حَقِيقَةَ الْإِيمَانِ حَتَّى يَعْلَمَ أَنَّ مَا أَصَابَهُ لَمْ يَكُنْ لِيُخْطِئَهُ، وَمَا أَخْطَأَهُ لَمْ يَكُنْ لِيُصِيبَهُ﴾، وَفِي رِوَايَةٍ: ﴿وَإِنْ اسْتَطَعْت أَنْ تَعْمَلَ لِلَّهِ بِالرِّضَى فِي الْيَقِينِ فَافْعَلْ، وَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَإِنَّ فِي الصَّبْرِ عَلَى مَا تَكْرَهُ خَيْرًا كَثِيرًا، قُلْت: يَا رَسُولَ اللَّهِ كَيْفَ أَصْنَعُ بِالْيَقِينِ؟ قَالَ: أَنْ تَعْلَمَ أَنَّ مَا أَصَابَك لَمْ يَكُنْ لِيُخْطِئَك، وَمَا أَخْطَأَك لَمْ يَكُنْ لِيُصِيبَك، فَإِذَا أَنْتَ أَحْكَمْت بَابَ الْيَقِينِ﴾.
وَأَخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ ﴿: إنَّ اللَّهَ إذَا أَحَبَّ قَوْمًا ابْتَلَاهُمْ، فَمَنْ رَضِيَ فَلَهُ الرِّضَى، وَمَنْ سَخِطَ فَلَهُ السُّخْطُ﴾ وَسَأَلَ شَيْخٌ عَلِيًّا حِينَ رَجَعَ مِنْ صِفِّينَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ أَخْبِرْنَا عَنْ مَسِيرِنَا إلَى الشَّامِّ أَكَانَ بِقَضَاءٍ وَقَدَرٍ؟ قَالَ: وَاَلَّذِي فَلَقَ الْحَبَّةَ وَبَرَّأَ النَّسَمَةَ مَا وَطِئْنَا مَوْطِئًا وَلَا هَبَطْنَا وَادِيًا وَلَا عَلَوْنَا تَلْعَةً إلَّا بِقَضَاءٍ وَقَدَرٍ، فَقَالَ الشَّيْخُ: احْتَسِبْ عَنَائِي فَوَاَللَّهِ مَا أَرَى لِي مِنْ الْأَجْرِ شَيْئًا، فَقَالَ لَهُ عَلِيٌّ: بَلْ أَيُّهَا الشَّيْخُ لَقَدْ عَظَّمَ اللَّهُ أَجْرَكُمْ فِي مَسِيرِكُمْ وَأَنْتُمْ سَائِرُونَ، وَفِي مُنْصَرَفِكُمْ وَأَنْتُمْ مُنْصَرِفُونَ،