شرح كتاب النيل وشفاء العليل امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

الجزء السابع عشر

الجزء ١٧ · صفحة ١٧١

........................

----------------

﴿فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إنَّهُ لَحَقٌّ﴾، ثُمَّ لَمْ يَكْتَفِ بِذَلِكَ كُلِّهِ حَتَّى أَمَرَ بِالتَّوَكُّلِ فَأَبْلَغَ وَأَنْذَرَ وَقَالَ: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ﴾، فَمَنْ لَمْ يَعْبَأْ بِقَوْلِهِ وَلَمْ يَكْتَفِ بِوَعْدِهِ وَلَمْ يَطْمَئِنَّ لِضَمَانِهِ وَلَمْ يَقْنَعْ بِقَسَمِهِ وَلَمْ يُبَالِ بِأَمْرِهِ وَوَعْدِهِ وَوَعِيدِهِ فَانْظُرْ مَاذَا يَكُونُ حَالُهُ.

قَالَ الْحَسَنُ: لَعَنْ اللَّهُ أَقْوَامًا أَقْسَمَ لَهُمْ رَبُّهُمْ وَلَمْ يُصَدِّقُوهُ، وَيُرْوَى أَنَّ الْمَلَائِكَةَ قَالَتْ عِنْدَ نُزُولِ هَذِهِ الْآيَةِ: ﴿فَوَرَبِّ السَّمَاءِ﴾ إلَخْ: هَلَكَتْ بَنُو آدَمَ أَغْضَبُوا رَبَّهُمْ حَتَّى أَقْسَمَ لَهُمْ عَلَى أَرْزَاقِهِمْ وَاعْلَمْ أَنَّ الْجَاهِلَ قَدْ يَظُنُّ أَنَّ مَعْنَى التَّوَكُّلِ هُوَ تَرْكُ الْكَسْبِ بِالْبَدَنِ وَالتَّدْبِيرِ بِالْقَلْبِ وَالسُّقُوطِ عَلَى الْأَرْضِ كَالْخِرْقَةِ الْمُلْقَاةِ، وَكَاللَّحْمِ عَلَى الْوَضْمِ، وَهَذَا ظَنُّ الْجَاهِلِ، وَذَلِكَ حَرَامٌ فِي الشَّرْعِ لِأَنَّهُ قَدْ أَثْنَى عَلَى الْمُتَوَكِّلِينَ فَكَيْفَ يُنَالُ مَقَامٌ مِنْ مَقَامَاتِ الدِّينِ بِارْتِكَابِ مُحَرَّمَاتِهِ، وَإِنَّمَا يَظْهَرُ تَأْثِيرُ التَّوَكُّلِ فِي حَرَكَةِ الْعَبْدِ وَسَعْيِهِ بِعِلْمِهِ إلَى مَقَاصِدِهِ، وَذَلِكَ مَحْصُورٌ فِي أَرْبَعَةِ أَوْجُهٍ:

الْأَوَّلُ: أَنْ يَكُونَ إمَّا لِجَلْبِ نَافِعٍ مَفْقُودٍ يُحَصِّلُهُ بِالْكَسْبِ أَوْ لِحِفْظِ مَوْجُودٍ يَصُونُهُ بِالْإِدْخَارِ، أَوْ دَفْعِ ضَارٍ لِئَلَّا يَنْزِلُ بِهِ كَاللِّصِّ وَالسَّبُعِ أَوْ لِإِزَالَتِهِ إنْ نَزَلَ بِهِ كَالتَّدَاوِي مِنْ مَرَضٍ، فَمَقْصُودُ حَرَكَةِ الْعَبْدِ لَا يَعْدُو هَذِهِ الْوُجُوهَ، أَمَّا جَلْبُ نَافِعٍ فَيَكُونُ عَلَى ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ:.

أَحَدُهَا مَقْطُوعٌ بِهِ كَالْأَسْبَابِ الْمُرْتَبِطِ بِهَا الْمُسَبَّبَاتُ بِتَقْدِيرِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ

١٠٬٤٤٩ / ١١٬٧٠٢ الأصل المصوَّر ١٦ م.ب.