الجزء السابع عشر
الجزء ١٧ · صفحة ١٧٢........................
----------------
ارْتِبَاطًا مُطَّرِدًا لَا يَتَخَلَّفُ وَلَا يَخْتَلِفُ، كَالطَّعَامِ الْمَوْضُوعِ بَيْنَ يَدَيْ جَائِعٍ مُحْتَاجٍ إلَيْهِ فَلَا يَمُدُّ الْيَدَ إلَيْهِ فَيَقُولُ: أَنَا مُتَوَكِّلٌ، وَشَرْطُ التَّوَكُّلِ تَرْكُ السَّعْيِ، وَمَدُّ الْيَدِ سَعْيٌ وَحَرَكَةٌ، وَكَذَا مَضْغُهُ فَهَذَا جُنُونٌ وَلَيْسَ مِنْ التَّوَكُّلِ، فَإِنَّهُ إنْ انْتَظَرَ أَنْ يَخْلُقَ اللَّهُ فِيهِ شِبَعًا دُونَ أَكْلٍ وَدُونَ أَنْ يَتَحَرَّكَ إلَيْهِ، أَوْ أَنْ يُسَخِّرَ اللَّهُ لَهُ مَلَكًا يَمْضُغُهُ لَهُ فَقَدْ جَهِلَ سُنَّةَ اللَّهِ فِي الْعِبَادِ وَالْبِلَادِ، وَكَانَ بِمَنْزِلَةِ مَنْ طَمِعَ فِي زَرْعٍ بِغَيْرِ بَذْرٍ وَلَا حَرْثٍ، وَفِي وَلَدٍ بِلَا جِمَاعٍ وَنَحْوِ ذَلِكَ مِمَّا هُوَ كَثِيرٌ، وَمَنْ ظَنَّ ذَلِكَ فَهُوَ إلَى الْعَقْلِ أَحْوَجُ مِنْهُ إلَى الْمَعْرِفَةِ، فَلَيْسَ التَّوَكُّلُ فِي هَذَا الْمَقَامِ بِالْعَمَلِ، بَلْ بِالْحَالِ وَالْعِلْمِ، أَمَّا الْعِلْمُ فَهُوَ أَنْ يَعْلَمَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى خَلَقَ الطَّعَامَ وَالْيَدَ، وَأَنَّهُ الَّذِي يُطْعِمُهُ وَيَسْقِيهِ، وَأَمَّا الْحَالُ فَهُوَ أَنْ يَكُونَ سُكُونُهُ وَاعْتِمَادُهُ عَلَى فَضْلِ اللَّهِ تَعَالَى لَا عَلَى الْيَدِ وَالطَّعَامِ إذْ تَجِفُّ الْيَدُ وَيُسْلَبُ الطَّعَامُ فِي الْحَالِ، فَإِذَا كَانَ عِلْمُهُ وَحَالُهُ هَكَذَا فَلْيَمُدَّ الْيَدَ إلَيْهِ فَإِنَّهُ مُتَوَكِّلٌ الثَّانِي: الْأَسْبَابُ غَيْرُ الْمُتَعَيِّنَةِ، لَكِنْ الْغَالِبُ أَنَّ الْمُسَبَّبَ لَا يَحْصُلُ دُونَهَا كَمُسَافِرٍ فِي الْبَادِيَةِ بِلَا زَادٍ فَهَذَا مُتَوَكِّلٌ بِشَرْطَيْنِ.
أَحَدُهُمَا أَنْ يَكُونَ قَدْ رَاضَ نَفْسَهُ عَلَى
الصَّبْرِ عَلَى الطَّعَامِ أُسْبُوعًا أَوْ مَا قَارَبَهُ؛ الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ بِحَيْثُ يَتَقَوَّتُ بِالْحَشِيشِ أَوْ بِالْأَشْيَاءِ الْخَسِيسَةِ، فَبَيْنَ الْوَجْهَيْنِ فَرْقٌ، لِأَنَّهُ فِي هَذَا الْوَجْهِ يُحْتَمَلُ أَنْ يَجِدَ طَعَامًا أَوْ يَنْتَهِيَ إلَى مَحَلَّةٍ أَوْ قَرْيَةٍ، وَالْأَوَّلُ لَا يُحْتَمَلُ أَنْ يَتَحَرَّكَ الطَّعَامُ مَمْضُوغًا فِي فِيهِ وَقَامَ زَاهِدٌ فِي جَبَلٍ سَبْعًا وَقَالَ: لَا أَسْأَلُ أَحَدًا، فَأَوْحَى اللَّهُ إلَيْهِ: فَوَعِزَّتِي وَجَلَالِي لَا أَرْزُقُك حَتَّى تَدْخُلَ الْأَمْصَارَ، فَفَعَلَ فَأَتَاهُ النَّاسُ بِالطَّعَامِ فَأَوْحَى اللَّهُ إلَيْهِ: أَرَدْت أَنْ تُذْهِبَ حِكْمَتِي بِزُهْدِك، أَمَا عَلِمْت أَنِّي أَرْزُقُ عَبْدِي عَلَى أَيْدِي