الجزء السابع عشر
الجزء ١٧ · صفحة ١٧٣........................
----------------
عِبَادِي أَحَبُّ إلَيَّ أَنْ أَرْزُقَهُ بِيَدِ قُدْرَتِي، وَلِذَلِكَ قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: لَوْ انْحَازَ عَبْدٌ إلَى جَبَلٍ لَا مَاءَ فِيهِ وَلَا حَشِيشَ وَلَا يَطْرُقُهُ إنْسَانٌ وَجَلَسَ فِيهِ مُتَوَكِّلًا لَكَانَ آثِمًا سَاعِيًا فِي هَلَاكِ نَفْسِهِ، فَالتَّبَاعُدُ عَنْ الْأَسْبَابِ كُلِّهَا مُرَاغَمَةٌ لِلْحِكْمَةِ الْإِلَهِيَّةِ، فَالْأَوَّلُ مُتَوَكِّلٌ بِالْحَالِ وَالْعِلْمِ، وَالثَّانِي مُتَوَكِّلٌ بِهِمَا وَبِالشَّرْطِ إذْ يُمْكِنُ أَنْ يُؤْخَذَ الزَّادُ مِنْهُ فَيَمُوتُ جُوعًا.
الثَّالِثُ: الْقَاعِدُ فِي مَسْجِدِ قَرْيَةٍ تَارِكًا لِلْكَسْبِ، وَهَذَا مُتَوَكِّلٌ وَلَكِنَّهُ أَضْعَفُ مِنْ الْأَوَّلِ لِأَنَّهُ بِالْقُعُودِ فِي الْمِصْرِ مُتَعَرِّضٌ لِأَسْبَابِ الرِّزْقِ، وَلَكِنَّهُ لَا يَبْطُلُ تَوَكُّلُهُ إذَا كَانَ نَظَرُهُ إلَى مُسَخِّرِ سُكَّانِ الْمَسْجِدِ لَا إلَى سُكَّانِ الْبَلَدِ، كَمَا رُوِيَ أَنَّ عَابِدًا كَانَ بِالْحَرَمِ وَكَانَ رَجُلٌ يَأْتِيهِ كُلَّ يَوْمٍ بِقُرْصَتَيْنِ يُفْطِرُ عَلَيْهِمَا وَلَا يَشْتَغِلُ بِغَيْرِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، فَقَالَتْ لَهُ نَفْسُهُ: يَا هَذَا مَا هَذِهِ الْغَفْلَةُ وَمَا هَذَا السُّكُونُ لِغَيْرِ اللَّهِ تَعَالَى، سَكَنْتَ إلَى هَذَا الْمَخْلُوقِ وَنَسِيتَ رَزَّاقَ الْمَخْلُوقِينَ؟ فَبَيْنَمَا هُوَ يُعَاتِبُ نَفْسَهُ فَإِذَا بِالرَّجُلِ أَتَاهُ بِالْقُرْصَتَيْنِ فَرَدَّهُمَا عَلَيْهِ وَانْتَهَرَهُ
وَبَقِيَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ لَمْ يُفْتَحْ عَلَيْهِ بِقُوتٍ، فَشَكَّا إلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ فَنَامَ فَرَأَى فِي مَنَامِهِ كَأَنَّهُ وَاقِفٌ بَيْنَ يَدَيْ اللَّهِ تَعَالَى فَقَالَ لَهُ: عَبْدِي لِمَ رَدَدْت عَبْدِي بِمَا أَرْسَلْتُ بِهِ إلَيْكَ، فَقَالَ: يَا رَبِّ بِمَا قَامَ فِي نَفْسِي مِنْ السُّكُونِ إلَى غَيْرِك، قَالَ لَهُ: عَبْدِي مَنْ أَرْسَلَهُ إلَيْك؟ قَالَ: أَنْتَ يَا رَبِّ، قَالَ: فَأَنْتَ مِمَّنْ تَأْخُذُهُ، قَالَ: مِنْك، قَالَ: فَخُذْ وَلَا تَعُدْ، وَنَامَ الَّذِي يَأْتِيهِ بِالْقُرْصَتَيْنِ فَرَأَى كَأَنَّهُ وَاقِفٌ بَيْنَ يَدَيْ اللَّهِ تَعَالَى فَقَالَ لَهُ: لِمَ قَطَعْت عَلَى عَبْدِي الْقُرْصَتَيْنِ؟.
فَقَالَ: يَا رَبِّ رَدَّهُمَا عَلَيَّ وَانْتَهَرَنِي، فَقَالَ لَهُ: لِمَنْ كُنْت تُعْطِي؟ قَالَ: لَك يَا رَبِّ، قَالَ: فَمُرَّ عَلَى عَادَتِك، وَثَوَابُك الْجَنَّةُ الرَّابِعُ: أَنْ يَكْتَسِبَ عَلَى الْوَجْهِ الْمُبَاحِ فِي الشَّرْعِ يَرَى كَسْبَهُ وَبِضَاعَتَهُ