شرح كتاب النيل وشفاء العليل امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

الجزء السابع عشر

الجزء ١٧ · صفحة ١٧٧

........................

----------------

وَأَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَجُلٌ عَلَى نَاقَةٍ لَهُ فَقَالَ: أَدْعُهَا وَأَتَوَكَّلُ؟ فَقَالَ: " بَلْ اعْقِلْهَا وَتَوَكَّلْ " وَقَالَ إبْلِيسُ لِعِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ: أَلَسْت تَقُولُ لَنْ يُصِيبَك إلَّا مَا قَدَّرَ اللَّهُ عَلَيْك؟ فَقَالَ: بَلَى، قَالَ: فَارْمِ نَفْسَك مِنْ ذِرْوَةِ هَذَا الْجَبَلِ، فَإِنْ قُدِّرَتْ لَك السَّلَامَةُ تَسْلَمُ، فَقَالَ لَهُ: " يَا لَعَيْنُ إنَّ لِلَّهِ أَنْ يَخْتَبِرَ عِبَادَهُ وَلَيْسَ لَهُمْ أَنْ يُخْتَبَرُوا رَبَّهُمْ " وَيَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْحَذَرَ وَالطَّلَبَ وَالْكَسْبَ لَا يُنَافِيَانِ الْقَدَرَ وَالتَّوَكُّلَ وَالْأَمْرَ بِهِنَّ فِي الشَّرْعِ، وَقِيلَ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ﴾ الْآيَةَ.

مَعْنَاهُ لَوْ رَزَقَهُمْ مِنْ غَيْرِ كَسْبٍ، وَقَالَ لِمَرْيَمَ: ﴿وَهُزِّي إلَيْكِ﴾ الْآيَةَ، وَلَوْ شَاءَ أَحْنَاهُ مِنْ غَيْرِ هَزٍّ كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ: وَلَوْ شَاءَ أَحْنَى الْجِذْعَ مِنْ غَيْرِ هَزَّةٍ إلَيْهَا وَلَكِنْ كُلُّ شَيْءٍ لَهُ سَبَبُ وَيُحْكَى أَنَّ بَعْضَ الْمُلُوكِ يَرَى مِنْ تَصْدِيقِ الْقَدَرِ وَتَكْذِيبِ الطَّلَبِ دُونَ أَهْلِ زَمَانِهِ مِنْ الْمُلُوكِ مَا حَجَزَهُ عَنْ الطَّلَبِ وَالتَّدْبِيرِ فَأَخْرَجَهُ إخْوَتُهُ مِنْ سُلْطَانِهِ وَقَهَرُوهُ عَلَى مَمْلَكَتِهِ، فَقَالَ لَهُ بَعْضُ الْحُكَمَاءِ: إنَّ تَرْكَ الطَّلَبِ يُضْعِفُ الْهِمَّةَ وَيُذِلُّ النَّفْسَ وَصَاحِبَهُ صَائِرٌ إلَى أَخْلَاقِ ذَوَاتِ

الْأَجْحِرَةِ مِنْ الْحَيَوَانَاتِ كَالضَّبِّ وَسَائِرِ الْحَشَرَاتِ تَنْشَأُ فِي أَجْحِرَتِهَا وَتَمُوتُ فِيهَا، ثُمَّ جَمَعُوا لَهُ بَيْنَ الْقَدَرِ وَالطَّلَبِ فَقَالُوا: إنَّهُمَا كَالْعِدْلَيْنِ عَلَى الظَّهْرِ إنْ حُمِّلَ فِي أَحَدِهِمَا أَرْجَحَ مِمَّا حُمِّلَ فِي الْآخَرِ تَعِبَ الظَّهْرُ وَسَقَطَ الْحِمْلُ، وَإِنْ عَادَلَ بَيْنَهُمَا سَلِمَ الظَّهْرُ وَنَجَحَ السَّفَرُ وَضَرَبُوا فِي ذَلِكَ مَثَلًا عَجِيبًا، وَقَالُوا: إنَّ أَعْمَى وَمُقْعَدًا كَانَا فِي قَرْيَةٍ مَعَ فَقْرٍ وَضَرَرٍ وَلَا قَائِدَ وَلَا حَامِلَ، وَكَانَ فِيهَا مُحْتَسِبٌ يُطْعِمُهُمَا كُلَّ يَوْمٍ قُوتَهُمَا فَلَمْ يَزَالَا فِي عَافِيَةٍ إلَى أَنْ مَاتَ الْمُحْتَسِبُ، فَلَبِثَا بَعْدَهُ أَيَّامًا، وَاشْتَدَّ جَوْعُهُمَا وَبَلَغَ

١٠٬٤٥٥ / ١١٬٧٠٢ الأصل المصوَّر ١٦ م.ب.