الجزء السابع عشر
الجزء ١٧ · صفحة ١٧٨........................
----------------
الضُّرُّ جَهْدَهُ مِنْهُمَا فَأَجْمَعَ رَأْيُهُمَا إلَى أَنْ يَحْمِلَ الْأَعْمَى الْمُقْعَدَ فَيَدُورَانِ فِي الْقَرْيَةِ يَسْتَطْعِمَانِ أَهْلَهَا، فَفَعَلَا، فَنَجَحَ أَمْرُهُمَا، فَكَذَلِكَ الْقَدَرُ سَبَبُهُ الطَّلَبُ، وَالطَّلَبُ سَبَبُهُ الْقَدَرُ، وَكُلٌّ مِنْهُمَا مُعِينٌ لِصَاحِبِهِ، فَأَخَذَ الْمَلِكُ فِي الطَّلَبِ فَظَفَرَ بِأَعْدَائِهِ وَرَجَعَ إلَى مُلْكِهِ فَكَانَ بَعْدَ ذَلِكَ يَقُولُ: لَا تَدَعْنَ الطَّلَبَ اتِّكَالًا عَلَى الْقَدَرِ، وَلَا تُجْهِدْنَ نَفْسَكَ فِي الطَّلَبِ مُعْتَمِدًا عَلَيْهِ مُسْتَهِينًا بِالْقَدَرِ، وَإِذَا أَجْهَدْتَ نَفْسَكَ بِوُجُوهِ التَّدْبِيرِ مُصَدِّقًا بِالْقَدَرِ نِلْت مَا تُحَاوِلُ، وَإِنْ الْتَوَتْ مَعَ ذَلِكَ الْأُمُورُ فَذَلِكَ مِنْ عَوْقِ الْقَدَرِ، وَإِنَّك قَدْ أَتَيْت ذَنْبًا فَتَفَقَّدْ جَوَارِحَك وَتُبْ إلَى رَبِّك مِنْ كُلِّ ذَنْبٍ وَاخْرُجْ مِنْ كُلِّ مَظْلِمَةٍ، فَإِذَا أَنْتَ فَعَلْت قَابَلَك الْحَظُّ وَسَاعَدَك الْقَدَرُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، وَلَيْسَ الْكَسْبُ أَوْ الْحَذَرُ مُغْنِيًا شَيْئًا بَلْ إذَا لَمْ يُطَابِقَا الْقَضَاءَ وَالْقَدَرَ كَانَا ذَهَابًا إلَى الْمَحْذُورِ كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ:.
وَإِذَا خَشِيت مِنْ الْأُمُورِ مُقَدَّرًا وَفَرَرْت مِنْهُ نَحْوَهُ تَتَوَجَّهُ رُوِيَ أَنَّهُ أُخِذَ فَارٌّ عَنْ السُّلْطَانِ وَكَانَ يَخْدُمُهُ فَسِيقَ إلَيْهِ فِي
الْإِسْكَنْدَرِيَّة فَرَمَى نَفْسَهُ فِي بِئْرٍ وَتَحْتَ الْإِسْكَنْدَرِيَّة أَسْرَابٌ يَمْشِي فِيهَا الْمَاشِي قَائِمًا، فَمَشَى حَتَّى وَصَلَ بِئْرًا أُخْرَى فَتَعَلَّقَ بِالدَّلْوِ فَأَطْلَعُوهُ فَإِذَا هُوَ فِي دَارِ السُّلْطَانِ، فَأَخَذُوهُ وَأَدَّبُوهُ، وَوَقَعَ الطَّاعُونُ بِالْكُوفَةِ فَفَرَّ ابْنُ أَبِي لَيْلَى عَلَى حِمَارٍ يَطْلُبُ النَّجَاةَ فَسَمِعَ قَائِلًا: لَنْ يُسْبَقَ اللَّهُ عَلَى حِمَارِ وَلَا عَلَى ذِي مَيْعَةٍ طَيَّارِ أَوْ يَأْتِيَ الْحَتْفُ عَلَى مِقْدَارِ فَيُصْبِحَ اللَّهُ أَمَامَ السَّارِي.