شرح كتاب النيل وشفاء العليل امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

الجزء السابع عشر

الجزء ١٧ · صفحة ١٨٤

........................

----------------

بِقَلْبِهِ وَفَصَاحَتِهِ فَلَا يُدَاهِنُ وَلَا يَخَافُ وَلَا يَسْتَحْيِ فِي جَلْبِ مُرَادِك إذَا ظَهَرَ لَهُ الْحَقُّ مُنْتَهِيًا فِي الشَّفَقَةِ فَهُوَ يَبْذُلُ مَجْهُودَهُ فِي أَمْرِك وَلَيْسَ لَا يُبَالِي بِأَمْرِك، وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ قَوِيٌّ قَادِرٌ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ عَزِيزٌ لَا يَسْتَحْيِ مِنْ الْحَقِّ رَءُوفٌ رَحِيمٌ بِعَبْدِهِ فَلَا وَكِيلَ لِلْإِنْسَانِ مِثْلُهُ أَوْ أَفْضَلُ، فَكَيْفَ يَثِقُ بِمَخْلُوقٍ مَعَهُ أَوْ دُونَهُ.

قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ﴿: مَنْ اسْتَعَانَ بِالْعَبِيدِ أَذَلَّهُ اللَّهُ تَعَالَى﴾ وَفِي التَّوْرَاةِ: مَلْعُونٌ مَنْ ثِقَتُهُ إنْسَانٌ مِثْلُهُ وَمِنْ الْمُتَوَكِّلِينَ مَنْ حَالُهُ فِي التَّوَكُّلِ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى وَالثِّقَةِ بِكَفَالَتِهِ كَحَالِهِ فِي الثِّقَةِ بِالْوَكِيلِ، وَمِنْهُمْ مَنْ حَالُهُ مَعَ اللَّهِ كَحَالِ الطِّفْلِ فِي حَقِّ أُمِّهِ لَا يَعْرِفُ غَيْرَهَا وَلَا يَفْزَعُ إلَى أَحَدٍ سِوَاهَا، وَهَذَا قَوِيٌّ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَكُونُ بَيْنَ يَدَيْ اللَّهِ تَعَالَى فِي حَرَكَاتِهِ وَسَكَنَاتِهِ كَالْمَيِّتِ بَيْنَ يَدَيْ غَاسِلِهِ، إلَّا

أَنَّهُ يَتَحَرَّكُ وَيَسْكُنُ مُخْتَارًا لَا مُضْطَرًّا عَلَى طِبْقِ الْإِرَادَةِ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى، وَحُكِيَ أَنَّ رَجُلًا تَعَبَّدَ فِي مَسْجِدٍ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ مَعْلُومٌ فَقَالَ لَهُ إمَامُ الْمَسْجِدِ: لَوْ اكْتَسَبْت لَكَانَ أَفْضَلَ لَك، وَلَمْ يُجِبْهُ، وَأَعَادَ ثَلَاثًا فَقَالَ فِي الرَّابِعَةِ: يَهُودِيٌّ فِي جِوَارِ الْمَسْجِدِ ضَمِنَ لِي كُلَّ يَوْمٍ رَغِيفَيْنِ.

فَقَالَ: إنْ كَانَ صَادِقًا فِي ضَمَانِهِ فَعُكُوفُك فِي الْمَسْجِدِ خَيْرٌ لَك، فَقَالَ: يَا هَذَا لَوْ لَمْ تَكُنْ إمَامًا تَقِفُ بَيْنَ يَدَيْ اللَّهِ وَبَيْنَ الْعِبَادِ مَعَ هَذَا النَّقْصِ فِي التَّوْحِيدِ كَانَ خَيْرًا لَك، فَضَّلْت وَعَدَ يَهُودِيٍّ عَلَى ضَمَانِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَقَالَ إمَامُ مَسْجِدٍ لِبَعْضِ الْمُصَلِّينَ: مِنْ أَيْنَ تَأْكُلُ؟ فَقَالَ شَيْخٌ: اصْبِرْ حَتَّى أُعِيدَ الصَّلَاةَ الَّتِي صُلِّيَتْ خَلْفَك ثُمَّ أُجِيبُك الرَّابِعُ: إنَّمَا يَتْرُكُ الْمُتَوَكِّلُ الْكَسْبَ فِي حَقِّ نَفْسِهِ إنْ شَاءَ وَكَانَ مِنْ أَهْلِ ذَلِكَ صَاحِبُ الْعِيَالِ فَتَرْكُهُ الْكَسْبَ حَرَامٌ وَتَضْيِيعُ الْفَرْضِ إلَّا إنْ وَافَقُوهُ عَلَى

١٠٬٤٦٢ / ١١٬٧٠٢ الأصل المصوَّر ١٦ م.ب.