الجزء السابع عشر
الجزء ١٧ · صفحة ١٨٥........................
----------------
ذَلِكَ بِرِضَاهُمْ وَأَطَاقُوا، وَرُوِيَ أَنَّ صُوفِيًّا مَدَّ يَدَهُ إلَى قِشْرِ بِطِّيخٍ لِيَأْكُلَهُ بَعْدَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فَقَالَ لَهُ أَبُو تُرَابٍ النخشي: لَا يَصْلُحُ لَك التَّصَوُّفُ الْزَمْ السُّوقَ، أَيْ لَا تَصَوَّفَ إلَّا مَعَ التَّوَكُّلِ، وَلَا تَوَكُّلَ إلَّا لِمَنْ يَصْبِرُ أَكْثَرَ مِنْ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ، وَقَالَ بَعْضٌ: إذَا قَالَ الْفَقِيرُ بَعْدَ خَمْسَةِ أَيَّامٍ: أَنَا جَائِعٌ، أَلْزِمُوهُ السُّوقَ وَمُرُوهُ بِالْعَمَلِ وَالْكَسْبِ وَعَنْ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ: وَدِدْت أَنَّ أَهْلَ الْبَصْرَةِ فِي عِيَالِي نأنل تبة بِدِينَارٍ وَعَنْ وُهَيْبٍ بْنِ الْوَرْدِ: لَوْ كَانَتْ السَّمَاءُ نُحَاسًا وَالْأَرْضُ رَصَاصًا وَاهْتَمَمْت بِرِزْقِي لَظَنَنْت أَنِّي مُشْرِكٌ الْخَامِسُ: لَا يَخْرُجُ الْإِنْسَانُ بِالْإِدْخَارِ عَنْ التَّوَكُّلِ إذَا رَسَخَ فِي قَلْبِهِ أَنَّهُ لَا يَنْتَفِعُ إلَّا بِمَا نَفَعَهُ اللَّهُ لَوْ سِنِينَ وَلَكِنَّ الْأَوْلَى أَنْ يَأْكُلَ فِي حِينِهِ إنْ جَاعَ وَيَلْبَسَ
إنْ عَرِيَ وَيَسْكُنَ إنْ لَمْ يَجِدْ مَسْكَنًا وَيُفَرِّقَ الْبَاقِيَ، وَزَعَمَ بَعْضٌ أَنَّ مَنْ ادَّخَرَ لِسَنَةٍ فَصَاعِدًا لَيْسَ مُتَوَكِّلًا، وَقَالَ سَهْلٌ: مَنْ ادَّخَرَ لِأَرْبَعِينَ يَوْمًا أَوْ دُونَهَا خَرَجَ مِنْ الْمَقَامِ الْمَحْمُودِ الْمَوْعُودِ لِلْمُتَوَكِّلِينَ، وَقَالَ الْخَوَّاصُ: يَخْرُجُ بِمَا زَادَ عَنْ الْأَرْبَعِينَ، وَقَالَ أَبُو طَالِبٍ مَكِّيٌّ: لَا يَخْرُجُ أَيْضًا بِمَا زَادَ، وَقِيلَ: يَخْرُجُ بِمَا زَادَ عَنْ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ، وَاحْتَجَّ بَعْضٌ لِأَرْبَعِينَ بِمِيعَادِ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَهُوَ بَعِيدٌ، لِأَنَّ تِلْكَ الْوَاقِعَةَ مَا قُصِدَ بِهَا بَيَانُ مِقْدَارِ مَا رُخِّصَ فِيهِ وَلَكِنَّ اسْتِحْقَاقَ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ لِنَيْلِ الْمَوْعُودِ كَانَ لَا يَتِمُّ إلَّا بَعْدَ أَرْبَعِينَ يَوْمًا لِسِرٍّ جَرَتْ بِهِ سُنَّةُ اللَّهِ تَعَالَى، وَكُلَّمَا قَلَّ أَمَلُ الْمَرْءِ وَادِّخَارُهُ كَانَ أَفْضَلَ.