شرح كتاب النيل وشفاء العليل امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

الجزء السابع عشر

الجزء ١٧ · صفحة ١٨٦

........................

----------------

وَرُوِيَ أَنَّهُ مَاتَ فَقِيرٌ وَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلِيًّا وَأُسَامَةَ فَغَسَّلَاهُ وَكَفَّنَاهُ بِبُرْدَتِهِ فَلَمَّا دَفَنَهُ قَالَ لِأَصْحَابِهِ: ﴿إنَّهُ يُبْعَثُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَوَجْهُهُ كَالْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ، وَلَوْلَا خَصْلَةٌ كَانَتْ فِيهِ لَبُعِثَ وَوَجْهُهُ كَالشَّمْسِ الضَّاحِيَةِ﴾ قُلْنَا: مَا هِيَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: " كَانَ صَوَّامًا قَوَّامًا كَثِيرَ الذِّكْرِ لِلَّهِ تَعَالَى غَيْرَ أَنَّهُ كَانَ إذَا جَاءَ الشِّتَاءُ ادَّخَرَ حُلَّةَ الصَّيْفِ، وَإِذَا جَاءَ الصَّيْفُ ادَّخَرَ حُلَّةَ الشِّتَاءِ لِشِتَائِهِ " ثُمَّ قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ﴿: مِنْ أَقَلِّ مَا أُوتِيتُمْ الْيَقِينُ وَعَزِيمَةُ الصَّبْرِ﴾، وَذَلِكَ يَخْتَلِفُ بِقُوَّةِ قَلْبِ الْمُدَّخِرِ، وَلِذَلِكَ كَانَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُدَّخَرُ لِعِيَالِهِ لَا لَهُ قُوتَ سَنَةٍ مُرَاعَاةً لِضَعْفِهِمْ عَنْهُ فِي التَّوَكُّلِ، وَنَهَى أُمَّ أَيْمَنَ وَغَيْرَهَا أَنْ تَدَّخِرَ لَهُ شَيْئًا لَغَدٍ، وَنَهَى بِلَالًا عَنْ الِادِّخَارِ فِي كِسْرَةِ خُبْزٍ ادَّخَرَهَا لِيُفْطِرَ عَلَيْهَا، وَلَوْ شَاءَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ

وَسَلَّمَ لَادَّخَرَ لِنَفْسِهِ سِنِينَ لِأَنَّهُ لَا يُنْقِصُ تَوَكَّلَهُ، وَلَكِنْ لَا يَدَّخِرُ تَعْلِيمًا لِأَقْوِيَاءِ أُمَّتِهِ.

قَالَ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ ﴿: لَا تَحْبِسُوا طَعَامًا لِغَدٍ فَإِنَّ غَدًا يَأْتِي وَمَعَهُ رِزْقُهُ، اُنْظُرُوا إلَى الذَّرِّ مِنْ يَرْزُقُهَا، وَإِنْ قُلْتُمْ: إنَّ الذَّرَّ صِغَارٌ فَانْظُرُوا إلَى الطَّائِرِ، فَإِنْ قُلْتُمْ لِلطَّائِرِ أَجْنِحَةٌ فَانْظُرُوا إلَى الْوَحْشِ، مَا أَبْدَنَهَا وَأَسْمَنَهَا﴾ وَرَوَى أَبُو أُمَامَةَ الْبَاهِلِيُّ أَنَّ رَجُلًا مِنْ أَهْلِ الصُّفَّةِ مَاتَ، فَمَا وُجِدَ لَهُ كَفَنٌ فَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " فَتِّشُوا لَهُ ثَوْبَهُ " فَفَتَّشُوا فَوَجَدُوا فِيهِ دِينَارَيْنِ فِي دَاخِلِ إزَارِهِ، فَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " كَيَّتَانِ "، وَقَدْ كَانَ غَيْرُهُ مِنْ الْمُسْلِمِينَ يَمُوتُ وَيَخْلُفُ أَمْوَالًا وَلَا يَقُولُ ذَلِكَ فِي حَقِّهِ، فَأَمَّا أَنْ يُرِيدَ كَيَّتَيْنِ مِنْ النَّارِ لِكَوْنِهِ أَظْهَرَ الزُّهْدَ وَالْفَقْرَ وَالتَّوَكُّلَ وَلَيْسَ كَذَلِكَ فَلَبَّسَ عَلَى النَّاسِ، وَرُبَّمَا أُعْطِيَ أَيْضًا عَلَى ذَلِكَ، وَإِمَّا أَنْ يُرِيدَ النُّقْصَانَ عَنْ دَرَجَةِ الْكَمَالِ.

١٠٬٤٦٤ / ١١٬٧٠٢ الأصل المصوَّر ١٦ م.ب.