شرح كتاب النيل وشفاء العليل امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

الجزء السابع عشر

الجزء ١٧ · صفحة ١٨٨

........................

----------------

تَضْيِيعِ الْمَالِ، وَكَانَ مَالِكُ بْنُ دِينَارٍ يَشُدُّ بَابَهُ بِشَرِيطَةٍ وَيَقُولُ: لَوْلَا الْكِلَابُ مَا شَدَدْتُهُ، وَقَدْ يَبْلُغُ الْمُتَوَكِّلُ لِقُوَّةِ تَوَكُّلِهِ وَسَخَائِهِ وَزُهْدِهِ أَنْ لَا يُمْسِكَ فِي الْبَيْتِ مَا يَكُونُ سَبَبًا لِمَعْصِيَةِ السَّارِقِ بِالسَّرِقَةِ أَهْدَى الْمُغِيرَةُ إلَى مَالِكِ بْنِ دِينَارٍ رَحِمَهُ اللَّهُ رَكْوَةً فَقَالَ: لَا حَاجَةَ لِي بِهَا.

قَالَ: لِمَ؟ قَالَ: يُوَسْوِسُ إلَيَّ الْعَدُوُّ أَنَّ اللِّصَّ أَخَذَهَا، كَأَنَّهُ احْتَرَزَ أَنْ يَعْصِيَ السَّارِقُ بِهِ وَأَنْ يَشْتَغِلَ قَلْبُهُ بِوَسْوَسَةِ الشَّيْطَانِ بِسَرِقَتِهِ، وَهَذَا الْأَخِيرُ هُوَ الَّذِي فَهِمَهُ أَبُو سُلَيْمَانَ الدَّارَانِيُّ إذْ قَالَ: هَذَا مِنْ ضَعْفِ قُلُوبِ الصُّوفِيَّةِ، وَهَذَا قَدْ زَهِدَ فِي الدُّنْيَا فَمَا عَلَيْهِ مِنْ أَخْذِهَا، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَفْهَمَ الْوَجْهَيْنِ فَيَكُونُ قَدْ أَشَارَ إلَى أَنَّهُ يَقْصِدُ إنْ سَرَقَهَا سَارِقٌ فَهُوَ فِي حِلٍّ، أَوْ هِيَ صَدَقَةٌ لَهُ فَلَا يَعْصِي السَّارِقُ وَلَيْسَ مِمَّنْ يَشْغَلُ قَلْبَهُ مَالُ الدُّنْيَا وَهَذَا الِاحْتِمَالُ إنَّمَا أَبْدَيْتُهُ عَلَى مَذْهَبِ الْغَزَالِيِّ مِنْ جَوَازِ وَاسْتِحْسَانِ أَنْ يَنْوِيَ صَاحِبُ الْبَيْتِ أَنَّهُ إنْ سُرِقَ مَا فِيهِ بَعْدَ خُرُوجِهِ مِنْهُ فَهُوَ فِي حِلٍّ أَوْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ تَعَالَى، وَإِنْ كَانَ فَقِيرًا فَصَدَقَةٌ أَوْ لَا يَشْتَرِطُ الْفَقْرَ لِأَنَّهُ قَدْ يَسْرِقُهُ الْغَنِيُّ فَيَكْفِيهِ فَيَتَوَانَى عَنْ السَّرِقَةِ

وَلَا يَظْلِمُ مُسْلِمًا آخَرَ بِالسَّرِقَةِ وَلَا يَصِحُّ عَلَى مَذْهَبِنَا أَنْ يَجْعَلَهُ فِي حِلٍّ، وَلَا أَنْ يَخْرُجَ هُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَنْ الْمَعْصِيَةِ بِجَعْلِهِ فِي حِلٍّ أَوْ فِي التَّصَدُّقِ مَعَ أَنَّهُ لَمْ يُسْأَلْ الْحِلَّ وَلَا طَلَبَ الصَّدَقَةَ، وَإِنَّمَا لَهُ أَنْ يَنْوِيَ أَنَّهُ إنْ سُرِقَ مِنْهُ شَيْءٌ أَثَابَهُ اللَّهُ عَلَى الْمُصِيبَةِ إنْ شَاءَ، أَوْ أَنَّهُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأَنْ يَفْرَحَ إذَا وَجَدَهُ مَسْرُوقًا، وَيَقُولَ: لَوْلَا الْخِيرَةُ لَمْ يَسْرِقْ، وَلَا يَظُنُّ بِالْمُسْلِمِ، وَإِنْ ظَنَّ فَلَا

١٠٬٤٦٦ / ١١٬٧٠٢ الأصل المصوَّر ١٦ م.ب.