الجزء السابع عشر
الجزء ١٧ · صفحة ١٩٧........................
----------------
إكْرَامًا لِلْأَنْبِيَاءِ كَمَا وَقَعَ لِمَرْيَمَ، وَكَوِلَادَةِ عِيسَى بِلَا أَبٍ، وَكَمَا وَقَعَ لِأَصْحَابِ الْكَهْفِ، وَوَزِيرِ سُلَيْمَانَ فِي عَرْشِ بِلْقِيسَ، وَلَا نُسَلِّمُ أَنَّ ذَلِكَ إرْهَاصٌ، وَإِنْ سَلَّمْنَا فَهُوَ مَعَ ذَلِكَ كَرَامَةٌ لِمَنْ وَقَعَ عَلَى يَدِهِ وَإِجْلَالٌ لَهُمْ إذْ وَقَعَ ذَلِكَ لِمَنْ تَبِعَهُمْ فِي شَرَائِعِهِمْ، وَقَلْبُ الْأَعْيَانِ مُخْتَصٌّ بِاَللَّهِ جَلَّ جَلَالُهُ، وَزَعَمَ قَوْمٌ أَنَّ ذَلِكَ مَمْنُوعٌ عَلَى السَّاحِرِ، وَزَعَمَ قَوْمٌ أَنَّ ذَلِكَ جَائِزٌ عَلَيْهِ وَعَلَى الْوَلِيِّ، وَصَحَّحَهُ شَارِحُ الْهَمْزِيَّةِ، وَإِنَّمَا أَمْكَنَهُ هَذَا لِأَنَّ الْخِلَافَ فِي أَنْ يَفْعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ عَلَى يَدِ أَحَدٍ كَمَا فَعَلَهُ عَلَى يَدِ بَعْضِ الْأَنْبِيَاءِ،
وَأَمَّا أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ عَلَى يَدِ أَحَدٍ بِدُونِ اللَّهِ فَمَمْنُوعٌ بِإِجْمَاعٍ، وَأَمَّا قَوْله تَعَالَى: ﴿فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا إلَّا مَنْ ارْتَضَى﴾ فَالِاسْتِثْنَاءُ فِيهِ مُنْقَطِعٌ، وَإِضَافَةُ الْغَيْبِ لِلِاسْتِغْرَاقِ، وَمَدْلُولُ الْعَامِّ كُلِّيَّةٌ، فَالْغُيُوبُ كُلُّهَا لَمْ يُطْلِعْ عَلَيْهَا غَيْرَهُ، بَلْ أَطْلَعَ عَلَى جُزْئِيَّاتٍ مَخْصُوصَةٍ وَلَوْ قُلْنَا: إنَّهُ مُتَّصِلٌ، فَالْمَعْنَى لَا يُظْهِرُ عَلَى بَعْضِ غَيْبِهِ إلَّا الرَّسُولَ، وَيُظْهِرُ عَلَى غَيْرِهِ رُسُلًا آخَرِينَ وَأَوْلِيَاءَ، وَزَعَمَ بَعْضُ الْكَرَّامِيَّةِ أَنَّ الْوَلِيَّ قَدْ يَبْلُغُ دَرَجَةَ النُّبُوَّةِ، وَزَعَمَ بَعْضُ الْمُتَصَوِّفَةِ أَنَّ الْوِلَايَةَ فَوْقَ النُّبُوَّةِ وَأَنِلْهُ يَسْقُطُ عَنْ الْوَلِيِّ التَّكْلِيفُ إذَا بَلَغَ حَالَةً مَخْصُوصَةً، قَالَ الْغَزَالِيُّ: قَتْلُ الْوَاحِدِ مِنْ هَؤُلَاءِ أَفْضَلُ مِنْ قَتْلِ سَبْعِينَ كَافِرًا لِشِدَّةِ ضَرَرِهِمْ فِي الدِّينِ، وَمِمَّنْ وَافَقَ الْمُعْتَزِلَةَ فِي نَفْيِ الْكَرَامَةِ أَبُو إِسْحَاقَ الْحَلِيمِيُّ مِنْ الشَّافِعِيَّةِ، وَأَثْبَتَهَا أَبُو الْحَسَنِ مِنْ الْمُعْتَزِلَةِ، وَكَانَ أَهْلُ رَحْبَةَ وَهِيَ مَدِينَةٌ يُنْكِرُونَ كَرَامَاتِ الْأَوْلِيَاءِ، قَالَ أَبُو جَابِرٍ الرَّحَبِيُّ: فَرَكِبْت سَبُعًا ذَاتَ يَوْمٍ وَدَخَلْت الْمَدِينَةَ وَقُلْت: أَيْنَ الَّذِينَ يُنْكِرُونَ؟.