الجزء السابع عشر
الجزء ١٧ · صفحة ٢٠٨........................
----------------
مَرَّةٍ لِلَّهِ وَكَانَتْ نِيَّتُك الْأُخْرَى فَسَخَّرَنِي اللَّهُ لَك، وَهَذِهِ الْمَرَّةُ غَضِبْت لِنَفْسِك وَلِلدُّنْيَا فَصَرَعْتُك وَهَذَا كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿إلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمْ الْمُخْلَصِينَ﴾، - بِكَسْرِ اللَّامِ - أَيْ مُخْلِصِي الْعِبَادَةِ - أَوْ بِفَتْحِهَا - أَيْ الَّذِينَ أَخْلَصَهُمْ اللَّهُ لِلْعِبَادَةِ، وَلَا يَنْجُو مِنْ الشَّيْطَانِ إلَّا الْمُخْلِصُ وَلِهَذَا يَقُولُ مَعْرُوفٌ الْكَرْخِيُّ: يَا نَفْسِي أَخْلِصِي، وَقَالَ يَعْقُوبُ الْمَكْفُوفُ: الْمُخْلِصُ مَنْ يَكْتُمُ حَسَنَاتِهِ كَمَا يَكْتُمُ سَيِّئَاتِهِ، وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ: طُوبَى لِمَنْ صَحَّتْ لَهُ خَلْوَةٌ وَاحِدَةٌ لَا يُرِيدُ بِهَا إلَّا اللَّهَ تَعَالَى، وَكَتَبَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ إلَى أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ: مَنْ خَلَصَتْ نِيَّتُهُ كَفَّاهُ اللَّهُ تَعَالَى مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ النَّاسِ.
وَكَتَبَ بَعْضُ الْأَوْلِيَاءِ إلَى أَخٍ لَهُ: أَخْلِصْ النِّيَّةَ فِي أَعْمَالِك يَكْفِك الْقَلِيلُ مِنْ الْعَمَلِ، وَقَالَ أَيُّوبُ السِّخْتِيَانِيُّ: تَخْلِيصُ النِّيَّاتِ عَلَى الْأَعْمَالِ أَشَدُّ عَلَيْهِمْ مِنْ جَمِيعِ الْأَعْمَالِ، وَكَانَ بَعْضٌ يَقُولُ: مَنْ صَفَّا صُفِّيَ لَهُ وَمَنْ خَلَّطَ خُلِطَ عَلَيْهِ، وَرُئِيَ بَعْضُهُمْ فِي الْمَنَامِ فَقِيلَ لَهُ: كَيْفَ وَجَدْت أَعْمَالَك؟ فَقَالَ: كُلُّ شَيْءٍ عَمِلْته لِلَّهِ وَجَدْته حَتَّى حَبَّاتِ رُمَّانٍ لَقَطْتهَا مِنْ طَرِيقٍ وَحَتَّى هِرَّةٍ مَاتَتْ لَنَا رَأَيْتهَا فِي كِفَّةِ الْحَسَنَاتِ، وَكَانَ فِي قَلَنْسُوَتِي خَيْطٌ مِنْ حَرِيرٍ فَرَأَيْته فِي كِفَّةِ السَّيِّئَاتِ، وَكَانَ قَدْ نَفَقَ حِمَارٌ لِي قِيمَتُهُ مِائَةُ دِينَارٍ، أَيْ مَاتَ فَمَا رَأَيْت لَهُ ثَوَابًا، فَقُلْت: مَوْتُ سِنَّوْرٍ لِي فِي الْحَسَنَاتِ، وَمَوْتُ حِمَارٍ لَيْسَ فِيهَا، فَقِيلَ لِي: إنَّهُ قَدْ وُجِدَ حَيْثُ بَعَثْتَهُ، فَإِنَّهُ لَمَّا قِيلَ لَك: قَدْ مَاتَ قُلْت إلَى لَعْنَةِ اللَّهِ فَبَطَلَ أَجْرُك،