شرح كتاب النيل وشفاء العليل امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

الجزء السابع عشر

الجزء ١٧ · صفحة ٢١٠

........................

----------------

فَرَأَيْت تِلْكَ اللَّيْلَةَ فِي النَّوْمِ كَأَنَّ شَخْصَيْنِ نَزَلَا مِنْ السَّمَاءِ فَقَالَ أَحَدُهُمَا لِصَاحِبِهِ: اُكْتُبْ الْغُزَاةَ فَأَمْلَى عَلَيْهِ اُكْتُبْ: خَرَجَ فُلَانٌ مُتَنَزِّهًا وَفُلَانٌ مُرَائِيًا وَفُلَانٌ تَاجِرًا وَفُلَانٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، ثُمَّ نَظَرَ إلَيَّ قَالَ: اُكْتُبْ فُلَانٌ خَرَجَ تَاجِرًا، فَقُلْت: اللَّهَ اللَّهَ فِي أَمْرِي مَا خَرَجْت أَتَّجِرُ وَمَا مَعِي تِجَارَةٌ أَتَّجِرُ فِيهَا، فَبَكَيْت، فَقُلْت: مَا خَرَجْت إلَّا لِلْغَزْوِ، فَقَالَ: يَا شَيْخُ لَقَدْ اشْتَرَيْت أَمْسِ مِخْلَاةً تُرِيدُ أَنْ تَرْبَحَ فِيهَا، فَبَكَيْت، فَقُلْت: لَا تَكْتُبُونِي تَاجِرًا فَنَظَرَ إلَيَّ صَاحِبُهُ فَقَالَ: مَا تَرَى؟ فَقَالَ: اُكْتُبْ خَرَجَ فُلَانٌ غَازِيًا إلَّا أَنَّهُ اشْتَرَى فِي طَرِيقِهِ مِخْلَاةً لِيَرْبَحَ فِيهَا حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فِيهِ مَا أَرَادَ وَقَالَ سَرِيٌّ السَّقَطِيُّ: تُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ فِي خَلْوَةٍ تُخْلِصُهُمَا خَيْرٌ لَك مِنْ أَنْ تَكْتُبَ سَبْعِينَ حَدِيثًا أَوْ سَبْعَ مِائَةٍ بِعُلُوِّ سَنَدٍ، وَقَالَ بَعْضٌ:

فِي إخْلَاصِ سَاعَةٍ نَجَاةُ الْأَبَدِ، وَلَكِنَّ الْإِخْلَاصَ عَزِيزٌ، وَيُقَالُ: الْعِلْمُ بَذْرٌ وَالْعَمَلُ زَرْعٌ وَمَاؤُهُ الْإِخْلَاصُ.

وَقَالَ بَعْضٌ: إذَا أَبْغَضَ اللَّهُ عَبْدًا أَعْطَاهُ ثَلَاثًا وَمَنَعَهُ مِنْ ثَلَاثٍ: أَعْطَاهُ مَحَبَّةَ الصَّالِحِينَ وَمَنَعَهُ الْقَبُولَ مِنْهُمْ، وَأَعْطَاهُ الْأَعْمَالَ الصَّالِحَةَ وَمَنَعَهُ الْإِخْلَاصَ فِيهَا، وَأَعْطَاهُ الْحِكْمَةَ وَمَنَعَهُ الصِّدْقَ فِيهَا، وَقَالَ بَعْضٌ: مُرَادُ اللَّهِ مِنْ عَمَلِ الْخَلَائِقِ الْإِخْلَاصُ فَقَطْ، وَقَالَ الْجُنَيْدُ: إنْ لِلَّهِ عِبَادًا عَقَلُوا فَلَمَّا عَقَلُوا عَمِلُوا فَلَمَّا عَمِلُوا أَخْلَصُوا فَدَعَاهُمْ الْإِخْلَاصُ إلَى أَبْوَابِ الْبِرِّ أَجْمَعَ قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ سَعِيدٍ الْمَرْوَزِيُّ: الْأَمْرُ كُلُّهُ يَرْجِعُ إلَى أَصْلَيْنِ: فِعْلٌ مِنْهُ بِك، وَفِعْلٌ مِنْك لَهُ، تَرْضَى مَا فَعَلَ، وَتَخْلُصُ فِيمَا تَعْمَلُ، فَإِذَا أَنْتَ فَعَلْت فَقَدْ سَعِدْت بِهَذَيْنِ وَفُزْت فِي الدَّارَيْنِ.

١٠٬٤٨٨ / ١١٬٧٠٢ الأصل المصوَّر ١٦ م.ب.