الجزء السابع عشر
الجزء ١٧ · صفحة ٢١١........................
----------------
وَاعْلَمْ أَنَّ كُلَّ مَا يُتَصَوَّرُ أَنْ يَشُوبَهُ غَيْرُهُ إذَا صَفَا عَنْ شَوْبِهِ سُمِّيَ خَالِصًا فَالْإِخْلَاصُ يُضَادُّهُ الْإِشْرَاكُ وَالرِّئَاءُ وَكُلُّ مَا يُبْطِلُ الْأَعْمَالَ، وَيُنْقِصُ ثَوَابَهَا، وَسَائِرُ أَغْرَاضِ النَّفْسِ، مِثْلُ أَنْ يَصُومَ لِيَنْتَفِعَ بِالْحِمْيَةِ الْحَاصِلَةِ بِالصَّوْمِ مَعَ قَصْدِ التَّقَرُّبِ، أَوْ يُعْتِقَ عَبْدًا لِيَتَخَلَّصَ مِنْ مُؤْنَتِهِ وَسُوءِ خُلُقِهِ، أَوْ يَحُجَّ لِيَصِحَّ مِزَاجُهُ بِالْحَرَكَةِ أَوْ لِيَتَخَلَّصَ مِنْ شَرٍّ فِي بَلَدِهِ أَوْ لِيَهْرُبَ مِنْ عَدُوِّهِ أَوْ مِنْ أَهْلِهِ وَوَلَدِهِ، أَوْ يَغْزُوَ لِيُمَارِسَ الْحَرْبَ وَيَتَعَلَّمَهَا، أَوْ يُصَلِّيَ بِاللَّيْلِ لِيَدْفَعَ النَّاسَ لِيُرَاقِبَ أَهْلَهُ أَوْ مَالَهُ أَوْ يَتَعَلَّمَ الْعِلْمَ لِيَعْرِفَ كَيْفَ يَتَّجِرُ، وَيَدْرُسَ أَوْ يَعِظَ لِيَنْجُوَ مِنْ كَرْبِ الصَّمْتِ، أَوْ يَكْتُبَ مُصْحَفًا أَوْ كِتَابًا لِيُجِيدَ الْخَطَّ وَيَتَعَلَّمَهُ، أَوْ يَحُجَّ مَاشِيًا لِيُخَفِّفَ عَنْ نَفْسِهِ الْكِرَاءَ، أَوْ يَتَوَضَّأَ لِيَتَنَظَّفَ أَوْ يَتَبَرَّدَ أَوْ لِتَطَيُّبِ رَائِحَتِهِ، أَوْ يَعْتَكِفَ فِي
الْمَسْجِدِ لِيَخِفَّ عَلَيْهِ كِرَاءُ الْمَسْكَنِ، أَوْ يَصُومَ لِيَقِلَّ عَلَيْهِ أَكْلُ مَالِهِ، أَوْ لِيَتَفَرَّغَ لِلْأَشْغَالِ فَلَا يَشْغَلُهُ عَنْهَا الْأَكْلُ وَالطَّبْخُ، أَوْ يُعْطِيَ السَّائِلَ لِيَقْطَعَ الْحَاجَةَ فِي السُّؤَالِ عَنْهُ.
قِيلَ: مَنْ سَلِمَ لَهُ مِنْ عُمْرِهِ لَحْظَةً وَاحِدَةً خَالِصَةً لِوَجْهِ اللَّهِ نَجَا، وَذَلِكَ لِعِزَّةِ الْإِخْلَاصِ بِأَنْ لَا يَشُوبَ الْعَمَلَ شَيْءٌ فِي ذَاتِهِ وَلَمْ يَقْصِدْ بِهِ سِوَى الْقُرْبِ.
فَإِذَا اسْتَرَاحَتْ نَفْسُهُ إلَى شَيْءٍ خَافَ مِنْهُ الْهَلَاكَ كَمَا مَرَّ أَنَّ بَعْضًا أَعَادَ صَلَاةَ ثَلَاثِينَ عَامًا صَلَّاهَا فِي الصَّفِّ الْأَوَّلِ لِكَوْنِهِ صَلَّى يَوْمًا فِي الثَّانِي لِتَأَخُّرِهِ بِعُذْرٍ فَخَجِلَ أَنْ يُرَى فِي الثَّانِي فَعَلِمَ أَنَّ نَفْسَهُ قَدْ أَحَبَّتْ أَنْ يُرَى فِي الْأَوَّلِ، وَمِثْلُ هَذَا غَامِضٌ لَا يَنْجُو مِنْهُ إلَّا الْقَلِيلُ، وَالْغَافِلُ عَنْهُ تُرَى حَسَنَاتُهُ كُلُّهَا سَيِّئَاتٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ.