الجزء السابع عشر
الجزء ١٧ · صفحة ٢١٣........................
----------------
حَظٌّ لِلنَّفْسِ فَمَا يُرِيدُ إلَّا اللَّهَ وَهَذَا إخْلَاصُ الصِّدِّيقِينَ وَهُوَ الْإِخْلَاصُ الْمُطْلَقُ، وَأَمَّا الْعَامِلُ لِرَجَاءِ الْجَنَّةِ وَخَوْفِ النَّارِ فَمُخْلِصٌ بِالْإِضَافَةِ إلَى الْحُظُوظِ الْعَاجِلَةِ، وَقَدْ قَضَى الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ الْبَاقِلَّانِيُّ بِكُفْرِ مُدَّعِي الْبَرَاءَةَ مِنْ الْحُظُوظِ، لِأَنَّهُ إمَّا أَنْ يُرِيدَ الْإِنْسَانُ حَظَّ الدُّنْيَا أَوْ حَظَّ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ أَوْ الْأُنْسَ بِاَللَّهِ وَالتَّلَذُّذَ بِمَعْرِفَتِهِ وَمُنَاجَاتِهِ.
وَقَالَ: الْبَرَاءَةُ مِنْهَا صِفَةُ الْأُلُوهِيَّةِ، وَصَدَقَ، وَلَكِنَّ الْقَوْمَ أَرَادُوا غَيْرَ النَّوْعِ الَّذِي هُوَ الْأُنْسُ بِهِ تَعَالَى وَالتَّلَذُّذُ بِمَعْرِفَتِهِ وَمُنَاجَاتِهِ لِأَنَّ هَذَا النَّوْعَ لَا يَعْرِفُهُ النَّاسُ وَلَا يُسَمُّونَهُ حَظًّا بَلْ يَتَعَجَّبُونَ مِنْهُ.
وَقَالَ أَبُو عُثْمَانَ: الْإِخْلَاصُ نِسْيَانُ رُؤْيَةِ الْخَلْقِ بِدَوَامِ النَّظَرِ إلَى الْخَالِقِ، وَهُوَ إشَارَةٌ إلَى آفَةِ الرِّئَاءِ فَقَطْ، وَقِيلَ: الْإِخْلَاصُ فِي الْعَمَلِ أَنْ لَا يَطَّلِعَ عَلَيْهِ شَيْطَانٌ فَيُفْسِدُهُ، وَلَا مَلَكٌ فَيَكْتُبُهُ، وَلَيْسَ هَذَا إشَارَةٌ إلَى الْإِخْفَاءِ كَمَا قِيلَ بَلْ إلَى أَنَّ الْإِخْلَاصَ فِي الْقَلْبِ، وَقِيلَ: الْإِخْلَاصُ مَا اسْتَتَرَ عَنْ الْخَلَائِقِ وَصَفَا عَنْ الْعَلَائِقِ، وَهَذَا أَجْمَعُ لِلْمَقَاصِدِ، وَقَالَ الْمُحَاسِبِيُّ: الْإِخْلَاصُ هُوَ إخْرَاجُ الْخَلْقِ عَنْ مُعَامَلَةِ الرَّبِّ، وَهَذَا إشَارَةٌ لِنَفْيِ الرِّئَاءِ، قَالَ الْخَوَاصُّ: مَنْ شَرِبَ مِنْ كَأْسِ الرِّيَاسَةِ فَقَدْ خَرَجَ عَنْ إخْلَاصِ الْعُبُودِيَّةِ، وَقَالَ الْحَوَارِيُّونَ لِعِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ: مَا الْخَالِصُ مِنْ الْأَعْمَالِ؟ فَقَالَ: " الَّذِي يَعْمَلُ الْعَمَلَ لِلَّهِ تَعَالَى لَا يُحِبُّ أَنْ يَحْمَدَهُ عَلَيْهِ أَحَدٌ "، وَهَذَا إشَارَةٌ لِنَفْيِ الرِّئَاءِ، وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ أَقْوَى الْأَسْبَابِ الْمُشَوِّشَةِ لِلْإِخْلَاصِ.
وَقَالَ الْجُنَيْدُ: الْإِخْلَاصُ تَصْفِيَةُ الْعَمَلِ مِنْ الْكُدُورَاتِ، وَقَالَ الْفُضَيْلُ: تَرْكُ الْعَمَلِ مِنْ أَجْلِ النَّاسِ رِئَاءٌ، وَالْعَمَلُ مِنْ أَجْلِ النَّاسِ شِرْكٌ، وَالْإِخْلَاصُ أَنْ يُعَافِيَك اللَّهُ مِنْهُمَا، وَقِيلَ: الْإِخْلَاصُ دَوَامُ الْمُرَاقَبَةِ وَنِسْيَانُ الْحُظُوظِ كُلِّهَا،