شرح كتاب النيل وشفاء العليل امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

الجزء السابع عشر

الجزء ١٧ · صفحة ٢١٤

........................

----------------

وَالْبَيَانُ الشَّافِي مَا رُوِيَ أَنَّهُ ﴿سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ الْإِخْلَاصِ فَقَالَ: أَنْ تَقُولُ: رَبِّي اللَّهُ ثُمَّ تَسْتَقِيمَ كَمَا أُمِرْت﴾، أَيْ لَا تَعْبُدَ هَوَاك وَنَفْسَك وَتَسْتَقِيمَ فِي عِبَادَتِهِ، وَهَذَا إشَارَةٌ إلَى قَطْعِ مَا سِوَى اللَّهِ عَنْ مُجَرَّدِ النَّظَرِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

وَأَنْوَاعُ تَشْوِيشِ الْإِخْلَاصِ مُتَفَاوِتَةٌ، مِثَالُ ذَلِكَ أَنْ يُحْسِنَ صَلَاتَهُ بِحَضْرَةِ غَيْرِهِ لِئَلَّا يَحْتَقِرَهُ أَوْ يَغْتَابَهُ أَوْ يَبْرَأَ مِنْهُ، وَهَذَا ظَاهِرٌ لِلْمُبْتَدِئِ، وَفِيهِ بَعْضُ دِقَّةٍ، وَأَدَقُّ مِنْهُ أَنْ يَتَفَطَّنَ لِهَذَا وَيَحْذَرَهُ، وَلَكِنْ يُحْسِنُهَا لِأَنَّهُ مَنْظُورٌ إلَيْهِ مَتْبُوعٌ بِقَوْلِ الشَّيْطَانِ تُؤْجَرُ بِالِاتِّبَاعِ لَك فِي تَحْسِينِهَا، وَتُعَاقَبُ فِي الِاتِّبَاعِ لَك فِي إسَاءَتِهَا، وَلَوْ صَحَّ ذَلِكَ مِنْهُ لَأَقَامَهَا فِي الْخَلْوَةِ بِدُونِ أَنْ يَعْتَبِرَ الْخَلْقَ فِي قَلْبِهِ فِي الْخَلْوَةِ وَلَا بَعْدَهَا فَيَسْتَنِيرُ قَلْبُهُ وَيَنْتَشِرُ إلَى غَيْرِهِ، وَأَدُقُّ مِنْ هَذَا أَنْ يَنْتَبِهَ لِذَلِكَ كُلِّهِ وَيَحْذَرَهُ لَكِنَّهُ يَجْتَهِدُ فِي تَحْسِينِ صَلَاتِهِ فِي الْخَلْوَةِ لِتَكُونَ صَلَاتُهُ مُطْلَقًا فِي الْخَلْوَةِ وَغَيْرِهَا سَوَاءٌ، حَتَّى لَا تَكُونَ فِي الْمَلَأِ أَحْسَنَ مِنْهَا فِي الْخَلْوَةِ، فَهَذَا رِئَاءٌ، وَتَرْكُ إخْلَاصٍ، لِأَنَّهُ رَاعَى الْخَلْقَ فِي الْخَلْوَةِ بِالنَّظَرِ إلَى الْحُضُورِ أَيْضًا، وَأَدُقُّ مِنْ ذَلِكَ أَيْضًا أَنْ يَتَفَطَّنَ لِذَلِكَ كُلِّهِ وَيَخْطُرَ لَهُ أَنَّ الْخُشُوعَ لِأَجْلِ الْخَلْقِ حَرَامٌ فَيَقُولُ لَهُ الشَّيْطَانُ: تَفَكَّرْ فِي جَلَالِ اللَّهِ.

وَاحْذَرْ أَنْ يَنْظُرَ إلَى قَلْبِك وَأَنْتَ غَافِلٌ عَنْهُ فَيَخْشَعُ، وَلَيْسَ هَذَا بِإِخْلَاصٍ وَلَكِنَّهُ مَكْرٌ، وَلَوْ صَحَّ إخْلَاصُهُ لَلَزِمَ الْخُشُوعَ فِي الْخَلْوَةِ أَيْضًا، وَلَكِنْ إذَا خَادَعَهُ الشَّيْطَانُ بِشَيْءٍ مِنْ تِلْكَ الْأَوْجُهِ فَلْيَتَخَرَّجْ عَنْهُ، وَالْخُرُوجُ عَنْهُ مُمَكَّنٌ وَقَدْ مَرَّ الْخِلَافُ فِي الثَّوَابِ عَلَى الْعَمَلِ الْمَشُوبِ.

١٠٬٤٩٢ / ١١٬٧٠٢ الأصل المصوَّر ١٦ م.ب.