الجزء السابع عشر
الجزء ١٧ · صفحة ٢٢٨........................
----------------
أَوْ يَبْنِيَ مَسْجِدًا أَوْ يَفْعَلَ شَيْئًا مِنْ أَنْوَاعِ الْبِرِّ بِمَالٍ حَرَامٍ، وَذَلِكَ جَهْلٌ، وَمَا عُصِيَ اللَّهُ بِمَعْصِيَةٍ أَعْظَمُ مِنْ الْجَهْلِ، وَأَشَدُّ مِنْ الْجَهْلِ: الْجَهْلُ الْمُرَكَّبُ، وَهُوَ الْجَهْلُ بِالْجَهْلِ، لِأَنَّ صَاحِبَهُ لَا يَتَعَلَّمُ لِأَنَّهُ يَظُنُّ أَنَّهُ عَالِمٌ فَعُلَمَاءُ الدُّنْيَا كُلُّهُمْ دَاخِلُونَ فِي الْجَهْلِ الْمُرَكَّبِ لِأَنَّهُمْ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ عُلَمَاءُ، وَأَنَّ الْعِلْمَ الَّذِي وَرَدَ الثَّنَاءُ عَلَيْهِ هُوَ مَا هُمْ عَلَيْهِ، بِخِلَافِ عُلَمَاءِ الْآخِرَةِ فَأَفْضَلُ مَا أُطِيعَ اللَّهُ بِهِ الْعِلْمُ، وَرَأْسُ الْعِلْمِ الْعَمَلُ كَمَا أَنَّ رَأْسَ الْجَهْلِ، الْجَهْلُ بِالْجَهْلِ.
قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ﴿لَا يُعْذَرُ الْجَاهِلُ عَلَى الْجَهْلِ﴾.
وَلَا يَحِلُّ لِلْجَاهِلِ أَنْ يَسْكُتَ عَلَى جَهْلِهِ وَلَا لِلْعَالِمِ أَنْ يَسْكُتَ عَلَى عِلْمِهِ، بِخِلَافِ الطَّاعَةِ، فَتَنْقَلِبُ إلَى الْمَعْصِيَةِ بِالرِّئَاءِ مَثَلًا، وَبِخِلَافِ الْمُبَاحِ فَيَنْقَلِبُ مَعْصِيَةً بِالنِّيَّةِ، وَيَنْقَلِبُ طَاعَةً بِهَا، وَذَلِكَ مِثْلُ أَنْ يَأْكُلَ لِيُحَسِّنَ جِسْمَهُ لِلْعَوَاهِرِ وَلِيَقْوَى عَلَى جَمْعِ الْحَرَامِ أَوْ الْقِتَالِ الْحَرَامِ، وَنَحْوِ ذَلِكَ، وَأَمَّا الطَّاعَةُ فَتَرْتَبِطُ بِالنِّيَّةِ فِي أَصْلِ صِحَّتِهَا وَفِي تَضَاعُفِ فَضْلِهَا، فَالْأَصْلُ أَنْ يَنْوِيَ بِهَا عِبَادَةَ اللَّهِ تَعَالَى وَالتَّضَاعُفُ بِكَثْرَةِ النِّيَّاتِ لِلْعَمَلِ الْوَاحِدِ، وَقَدْ وَرَدَ الْخَبَرُ أَنَّ كُلَّ نِيَّةٍ حَسَنَةٌ وَكُلُّ حَسَنَةٍ بِعَشْرٍ، مِثْلُ أَنْ يَقْعُدَ فِي الْمَسْجِدِ لِأَنَّ الْقُعُودَ فِيهِ
طَاعَةٌ وَأَنَّهُ بَيْتُ اللَّهِ وَالْقَاعِدُ فِيهِ زَائِرٌ لِلَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، وَلِانْتِظَارِ الصَّلَاةِ فَيَكُونُ كَالرِّبَاطِ وَالتَّرَهُّبِ بِكَفِّ الْأَعْضَاءِ عَنْ الْمَعَاصِي وَأَشْغَالِ الدُّنْيَا فَهُوَ اعْتِكَافٌ وَهُوَ فِي مَعْنَى الصَّوْمِ.
قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ﴿رَهْبَانِيَّةُ أُمَّتِي الْقُعُودُ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ وَلِعُكُوفِ الْهَمِّ لِلَّهِ