الجزء السابع عشر
الجزء ١٧ · صفحة ٢٣٢........................
----------------
وَأَقُولُ: قَدْ يُمْكِنُهُ قَصْدُ الثَّوَابِ أَوْ رِضَى اللَّهِ، وَيَنْفِي جَانِبَ الْخَلْقِ فَيَتَحَرَّكُ فِي ذَلِكَ، وَهَكَذَا وَنَادَى بَعْضُهُمْ امْرَأَتَهُ وَكَانَ يُسَرِّحُ شَعْرَهُ أَنْ: هَاتِ الْمِدْرَى، فَقَالَتْ: أَجِيءُ بِالْمِرْآةِ؟ فَسَكَتَ سَاعَةً ثُمَّ قَالَ: نَعَمْ، فَقِيلَ لَهُ فِي ذَلِكَ، فَقَالَ: كَانَ لِي فِي الْمِدْرَى نِيَّةٌ وَلَمْ تَحْضُرْنِي فِي الْمِرْآةِ نِيَّةٌ فَتَوَقَّفْت حَتَّى هَيَّأَهَا اللَّهُ تَعَالَى.
وَمَاتَ حَمَّادُ بْنُ أَبِي سُلَيْمَانَ شَيْخُ سِيبَوَيْهِ فِي الْحَدِيثِ، وَكَانَ أَحَدَ فُقَهَاءِ الْكُوفَةِ وَلَمْ يَحْضُرْ جِنَازَتَهُ الثَّوْرِيُّ فَقَالَ: لَوْ كَانَ لِي نِيَّةٌ لَفَعَلْت، وَكَانَ أَحَدُهُمْ إذَا سُئِلَ عَمَلًا مِنْ أَعْمَالِ الْبِرِّ فَقَالَ: إنْ رَزَقَنِي اللَّهُ نِيَّةً فَعَلْت، وَكَانَ طَاوُسٍ لَا يُحَدِّثُ إلَّا بِنِيَّةٍ، وَيُسْأَلُ أَنْ يُحَدِّثَ فَلَا يُحَدِّثُ وَلَا يُسْأَلُ فَيَبْتَدِئُ فَقِيلَ لَهُ فِي ذَلِكَ فَقَالَ: أَتُحِبُّونَ أَنْ أُحَدِّثَ بِغَيْرِ نِيَّةٍ إنْ حَضَرَتْنِي نِيَّةٌ فَعَلْت، وَقِيلَ لَهُ: اُدْعُ لَنَا، فَقَالَ: حَتَّى أَجِدَ نِيَّةً، وَقَالَ بَعْضٌ: أَنَا فِي طَلَبِ نِيَّةٍ لِعِيَادَةِ رَجُلٍ مُنْذُ شَهْرٍ فَمَا صَحَّتْ لِي بَعْدُ.
وَقَالَ عِيسَى بْنُ كَثِيرٍ: مَشَيْت مَعَ مَيْمُونِ بْنِ مِهْرَانَ فَلَمَّا انْتَهَى
إلَى بَابِ دَارِهِ انْصَرَفْت، فَقَالَ ابْنُهُ: أَلَا تَعْرِضُ عَلَيْهِ الْعَشَاءَ؟ قَالَ: لَيْسَ مِنْ نِيَّتِي.
وَذَلِكَ أَنَّ النِّيَّاتِ عِنْدَ هَؤُلَاءِ: انْبِعَاثُ النَّفْسِ، وَيَجْرِي مَجْرَى الْفُتُوحِ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى، وَهِيَ لِإِجْلَالِ اللَّهِ تَعَالَى وَهَذِهِ أَعَزُّ النِّيَّاتِ، وَلَا تَتَيَسَّرُ لِلرَّاغِبِ فِي الدُّنْيَا أَوْ الْخَوْفِ مِنْ عِقَابِهِ وَهَذِهِ تَلِيهَا، أَوْ لِرَجَاءِ الْجَنَّةِ وَهِيَ كَعَمَلِ الْأَجِيرِ السُّوءِ وَدَرَجَةُ صَاحِبِهَا كَدَرَجَةِ الْبُلْهِ، وَإِنَّهُ لَيَنَالُهَا بِعَمَلِهِ إذْ أَكْثَرُ أَهْلِ الْجَنَّةِ الْبُلْهُ، وَهُمْ عَامَّةُ الْمُؤْمِنِينَ