الجزء السابع عشر
الجزء ١٧ · صفحة ٢٤٥........................
----------------
الْعَاصِي، مَعَ أَنَّهُ مَنَعَ أَنْ يُقَالَ: الْمَعْصِيَةُ شَرٌّ مِنْ الطَّاعَةِ، وَالْعَاصِي شَرٌّ مِنْ الْمُطِيعِ، وَهَذَا مَا ظَهَرَ لِي فِي تَفْسِيرِ الْحَدِيثِ مِنْ الْأَوْجُهِ.
وَقَالَ الْغَزَالِيُّ: لَيْسَ الْمُرَادُ أَنَّ النِّيَّةَ أَفْضَلُ لِأَنَّهَا سِرٌّ، وَعَمَلُ السِّرِّ أَفْضَلُ، وَلَوْ كَانَ هَذَا فِي نَفْسِهِ صَحِيحًا لِأَنَّهُ لَوْ نَوَى أَنْ يَذْكُرَ اللَّهَ بِقَلْبِهِ أَوْ يَتَفَكَّرَ فِي مَصَالِحِ الْمُسْلِمِينَ لَلَزِمَ أَنْ يَكُونَ نِيَّةُ الذِّكْرِ أَوْ التَّفَكُّرِ خَيْرًا مِنْهُمَا قُلْت: لَا مَانِعَ مِنْ أَنْ يُقَالَ بِذَلِكَ، بِمَعْنَى أَنَّ النِّيَّةَ الْمَقْرُونَةَ بِالْعَمَلِ لَا يَدْخُلُهَا رِئَاءٌ، وَهُوَ يَدْخُلُهُ كَشَيْئَيْنِ حَسَنَيْنِ اقْتَرَنَا أَحَدُهُمَا أَفْضَلُ، أَوْ بِمَعْنَى أَنَّ النِّيَّةَ الْمُجَرَّدَةَ الْمُطْلَقَةَ خَيْرٌ لِأَنَّهَا لَا يَدْخُلُهَا ذَلِكَ مَعَ أَنَّهَا أَيْضًا لَا تَقْطَعُ، قَالَ:
وَيَضْعُفُ أَنْ يُرَادَ أَنَّهَا أَفْضَلُ إذْ هِيَ تَدُومُ إلَى آخِرِ الْعَمَلِ لِأَنَّهَا لَا تَدُومُ بَلْ تَجِيءُ وَتَذْهَبُ قُلْت: فَرْضُ الْكَلَامِ فِي الْعَمَلِ الْوَاحِدِ وَلَمْ أَقُلْ ذَلِكَ أَنَا بَلْ قُلْت: إنَّك تَنْوِي أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ أَلْفَ عَامٍ وَتَمُوتُ قَبْلَ ذَلِكَ فَقَدْ حَصَلَ لَك بِالنِّيَّةِ ثَوَابُ أَلْفِ عَامٍ، وَلَا عَمَلَ لَك حَصَّلَتْ بِهِ ثَوَابَ أَلْفَ عَامٍ، وَكَذَا يُثَابُ عَلَى عَمَلٍ يَعْمَلُهُ.
وَقَدْ نَوَاهُ مِثْلَ أَنْ يَفْعَلَ كَذَا فَيَفُوتُهُ، وَقَدْ مَرَّ حَدِيثُ الَّذِي أَحَبَّ أَنْ تَكُونَ رِمَالٌ رَآهَا طَعَامًا يَتَصَدَّقُ بِهِ، فَأَوْحَى اللَّهُ تَعَالَى إلَى نَبِيِّ ذَلِكَ الزَّمَانِ أَنْ قَدْ كَتَبْت لَك ذَلِكَ، وَعَنْهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: {يُؤْتَى بِالْعَبْدِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمَعَهُ مِنْ الْحَسَنَاتِ كَأَمْثَالِ الْجِبَالِ الرَّوَاسِي فَيُنَادِي مُنَادٍ: مَنْ كَانَتْ لَهُ عَلَى فُلَانٍ مَظْلِمَةٌ فَلْيَجِئْ فَلْيَأْخُذْ، فَيَجِيءُ أُنَاسٌ فَيَأْخُذُونَ حَسَنَاتِهِ فَلَا يَبْقَى لَهُ مِنْ الْحَسَنَاتِ شَيْءٌ، وَيَبْقَى الْعَبْدُ حَيْرَانَ فَيَقُولُ لَهُ رَبُّهُ: إنَّ لَك عِنْدِي كَنْزًا لَمْ أُطْلِعْ عَلَيْهِ مَلَائِكَتِي وَلَا أَحَدًا مِنْ