الجزء السابع عشر
الجزء ١٧ · صفحة ٢٧٠........................
----------------
الْأُخْرَى، وَأَنْبَتَ الْمَرْجَانَ فِي صُمِّ الصُّخُورِ فِي الْبَحْرِ، وَأَخْرَجَ الْعَنْبَرَ.
وَاعْتَبِرْ الْمَاءَ فَإِنَّهُ أَكْثَرُ الْأَشْيَاءِ الَّتِي تَقُومُ بِهَا الْبِنْيَةُ لَوْ احْتَاجَ إلَى شَرْبَةٍ لَأَبْدَلَ فِيهَا الدُّنْيَا كُلَّهَا لَوْ مَلَكَهَا، ثُمَّ لَوْ عُسِرَ خُرُوجُهَا بَعْدَ الشُّرْبِ لَأَبْدَلَ كَذَلِكَ وَانْظُرْ الْهَوَاءَ وَالرِّيحَ فِيهِ تَارَةً لِلرَّحْمَةِ وَتَارَةً لِلْعَذَابِ، فَاَلَّتِي لِلرَّحْمَةِ مِنْ جِهَاتٍ بِمَرَّةٍ وَاحِدَةٍ فَهِيَ رِيَاحٌ
، وَاَلَّتِي لِلْعَذَابِ مِنْ جِهَةٍ وَاحِدَةٍ، فَهِيَ رِيحٌ وَاحِدَةٌ وَالطَّيْرُ فِي الْهَوَاءِ يُسَبِّحُ كَالْحُوتِ فِي الْمَاءِ سَوَاءٌ، وَتَضْطَرِبُ جَوَانِبُ الرِّيحِ وَأَمْوَاجِهِ، كَمَا تَضْطَرِبُ أَمْوَاجُ الْبَحْرِ، وَانْظُرْ إلَى رِقَّةِ الْمَاءِ وَسَيَلَانِهِ كَيْفَ حَمَلَ السَّفِينَةَ وَمَا فِيهَا، وَإِلَى لُطْفِ الْهَوَاءِ وَدِقَّتِهِ ثُمَّ شِدَّةِ قُوَّتِهِ مَهْمَا انْقَبَضَ عَنْ الْمَاءِ، فَالزِّقُّ الْمَنْفُوخُ يَتَحَامَلُ عَلَيْهِ الرَّجُلُ الْقَوِيُّ لِيَغْمِسَهُ فِي الْمَاءِ، فَانْظُرْ كَيْفَ يَنْقَبِضُ الْهَوَاءُ مِنْ الْمَاءِ بِقُوَّتِهِ مَعَ لَطَافَتِهِ، وَبِهَذِهِ الْحِكْمَةِ أَمْسَكَ اللَّهُ السُّفُنَ عَلَى الْمَاءِ، وَكَذَا كُلُّ مُجَوَّفٍ فِيهِ هَوَاءٌ لَا يَغُوصُ فِي الْمَاءِ لِأَنَّ الْهَوَاءَ يَنْقَبِضُ عَنْ الْغَوْصِ فِي الْمَاءِ، فَالسَّفِينَةُ تَعَلَّقَتْ بِأَذْيَالِ الْهَوَاءِ مِنْ جَوْفِهَا فَلَمْ تَغُصْ فِي الْمَاءِ.
وَانْظُرْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالنُّجُومِ، وَمَنْ نَظَرَ فِي غَيْرِهِنَّ فَقَدْ فَاتَهُ النَّظَرُ، فَالْأَرْضُ وَالْبِحَارُ وَالْهَوَاءُ وَكُلُّ جِسْمٍ بِالْإِضَافَةِ إلَى السَّمَاوَاتِ كَقَطْرَةٍ فِي بَحْرٍ وَأَصْغَرَ، وَانْظُرْ كَيْفَ تَكَرَّرَ ذِكْرُهَا فِي الْقُرْآنِ وَفِي السُّورَةِ الْوَاحِدَةِ.
كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ﴾ ﴿وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ﴾ ﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْحُبُكِ﴾،