شرح كتاب النيل وشفاء العليل امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

الجزء السابع عشر

الجزء ١٧ · صفحة ٢٨٠

وَيَكُونُ فِي كُلِّ مَا أُمِرَ بِهِ وَلَوْ نَفْلًا. .............................

----------------

وَأَرَادَ بِهِ مَا يَشْمَلُ تَرْكَ الْفَرَائِضِ أَوْ اقْتَصَرَ عَلَى قَوْلِهِ: أَدَاءُ فَرَائِضِهِ إلَخْ، وَأَرَادَ مَا يَشْمَلُ تَرْكَ الْكَبَائِرِ لِأَنَّ تَرْكَهَا فَرْضٌ لَجَازَ وَمِنْ الشُّكْرِ مَا لَا يَجِبُ، وَأَشَارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ: (وَيَكُونُ فِي كُلِّ مَا أُمِرَ بِهِ وَلَوْ نَفْلًا) إذَا فَعَلَ النَّفَلَ تَعْظِيمًا لَهُ تَعَالَى لِكَوْنِهِ مُنْعِمًا عَلَيْهِ، وَكَذَا فِي الْوَاجِبِ، فَمُرَادُهُ أَنَّ الشُّكْرَ لَهُ تَعَالَى تَرْكُ كُفْرِهِ وَأَدَاءُ فَرَائِضِهِ اعْتِقَادًا وَنُطْقًا وَفِعْلًا لِأَجْلِ أَنَّهُ مُنْعِمٌ وَأَوْلَى مِنْ ذَلِكَ أَنَّ لَا يُشْتَرَطَ فِي شُكْرِ اللَّهِ التَّعْلِيلُ بِالنِّعَمِ لِإِمْكَانِ أَنْ يَتْرُكَ

الْكُفْرَ وَيُؤَدِّيَ الْفَرْضَ وَيَتَطَوَّعَ إعْظَامًا لِلَّهِ تَعَالَى، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ ثَوَابٌ وَلَا عِقَابٌ، أَوْ خَوْفٌ مِنْ عِقَابِهِ وَاعْلَمْ أَنَّ الشُّكْرَ يَنْتَظِمُ فِي عِلْمٍ وَحَالٍ وَعَمَلٍ، فَالْعِلْمُ الْأَصْلُ فَيُورِثُ الْحَالَ، وَالْحَالُ يُورِثُ الْعَمَلَ، فَالْعِلْمُ مَعْرِفَةُ النِّعْمَةِ مِنْ الْمُنْعِمِ، وَالْحَالُ الْفَرَحُ الْحَاصِلُ بِالْإِنْعَامِ، وَالْعَمَلُ الْقِيَامُ بِمَقْصُودِ الْمُنْعِمِ، وَيَتَعَلَّقُ ذَلِكَ الْعَمَلُ بِالْقَلْبِ وَالْجَوَارِحِ وَاللِّسَانِ، فَالْعِلْمُ هُوَ أَنْ يَعْلَمَ عَيْنَ النِّعْمَةِ.

وَوَجْهَ كَوْنِهَا نِعْمَةً فِي حَقِّهِ وَذَاتَ الْمُنْعِمِ وَوُجُودَ صِفَاتِهِ الَّتِي بِهَا يَتِمُّ الْإِنْعَامُ، وَلَا بُدَّ أَنْ يَعْرِفَ أَنَّ النِّعَمَ كُلَّهَا مِنْ اللَّهِ وَالْأَوَاسِطُ مُسَخَّرُونَ مِنْ جِهَتِهِ قَالَ مُوسَى فِي مُنَاجَاتِهِ: " إلَهِي خَلَقْت آدَمَ بِيَدِك وَفَعَلْت وَفَعَلْت فَكَيْفَ شَكَرَكَ "؟ فَقَالَ: " اعْلَمْ أَنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ مِنِّي " فَكَانَتْ مَعْرِفَتُهُ شُكْرًا، وَالْحَالُ الْمُسْتَمَدَّةُ مِنْ أَصْلِ الْمَعْرِفَةِ الْفَرَحُ بِالْمُنْعِمِ مَعَ هَيْئَةِ الْخُضُوعِ وَالتَّوَاضُعِ، وَهَذَا شُكْرٌ، كَمَا أَنَّ الْمَعْرِفَةَ شُكْرٌ، لَكِنْ إنْ كَانَ الْفَرَحُ بِالْمُنْعِمِ لَا بِالنِّعْمَةِ وَلَا بِالْإِنْعَامِ فَمَنْ أَعْطَاهُ مَلَكَ شَيْئًا وَفَرِحَ بِهِ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ مَنْفَعَةٌ فَلَا شُكْرَ فِي هَذَا بَلْ

١٠٬٥٥٨ / ١١٬٧٠٢ الأصل المصوَّر ١٦ م.ب.