شرح كتاب النيل وشفاء العليل امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

الجزء السابع عشر

الجزء ١٧ · صفحة ٢٨١

........................

----------------

تَلَذُّذٌ لِمُوَافَقَةِ الْغَرَضِ، وَإِنْ فَرِحَ بِهِ مِنْ حَيْثُ إنَّ الْمَلِكَ اعْتَنَى بِهِ وَاهْتَمَّ بِجَانِبِهِ بِحَيْثُ لَوْ حَصَلَ مِنْ جِهَةٍ غَيْرِ جِهَةِ الْمَلِكِ لَمْ يَفْرَحْ بِهِ فَهَذَا شُكْرُ مَنْ يَعْمَلُ خَوْفًا مِنْ الْعِقَابِ وَرَجَاءً لِلثَّوَابِ، وَإِنْ فَرِحَ بِهِ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ يَخْدُمُ بِهِ الْمَلِكَ وَيَقْرُبُ مِنْهُ، وَهَذَا شُكْرُ مَنْ يَعْمَلُ لِلَّهِ وَلَوْ لَمْ يَكُنْ ثَوَابٌ وَلَا عِقَابٌ، وَعَلَامَتُهُ أَنْ لَا يَفْرَحَ مِنْ الدُّنْيَا إلَّا بِمَا هُوَ مَزْرَعَةُ الْآخِرَةِ.

قَالَ الشِّبْلِيُّ: الشُّكْرُ اعْتِبَارُ الْمُنْعِمِ لَا رُؤْيَةُ النِّعْمَةِ، وَقَالَ الْخَوَّاصُ: شُكْرُ الْعَامَّةِ عَلَى الْمَطْعَمِ

وَالْمَشْرَبِ وَالْمَلْبَسِ، وَشُكْرُ الْخَاصَّةِ عَلَى وَارِدَةِ الْقُلُوبِ، وَذَلِكَ أَنَّ الْقَلْبَ إذَا صَحَّ لَا يَلْتَذُّ بِغَيْرِ مَعْرِفَةِ اللَّهِ وَذِكْرِهِ وَلِقَائِهِ، وَإِنَّمَا يَلْتَذُّ بِغَيْرِهِ إذَا مَرِضَ بِسُوءِ الْعَادَاتِ كَمَا يَلْتَذُّ بَعْضُ النَّاسِ بِأَكْلِ الْبَطْنِ، وَكَمَا يَكْرَهُ الْمَرِيضُ الْأَشْيَاءَ الْحُلْوَةَ وَيُحِبُّ الْأَشْيَاءَ الْمُرَّةَ وَاعْلَمْ أَنَّ الْعِلْمَ بِمُوجِبِ الْفَرَحِ الْحَاصِلِ مِنْ مَعْرِفَةِ الْمُنْعِمِ مُتَعَلِّقٌ بِالْقَلْبِ وَاللِّسَانِ وَالْجَوَارِحِ، إمَّا بِالْقَلْبِ فَقَصْدُهُ الْخَيْرُ وَإِضْمَارُهُ لِكَافَّةِ الْخَلْقِ، وَإِمَّا بِاللِّسَانِ فَإِظْهَارُ الشُّكْرِ بِالتَّحْمِيدَاتِ الدَّالَّةِ عَلَيْهِ، وَإِمَّا بِالْجَوَارِحِ فَاسْتِعْمَالُ نِعَمِ اللَّهِ تَعَالَى فِي طَاعَتِهِ وَالتَّوَقِّي مِنْ الِاسْتِعَانَةِ بِهَا عَلَى مَعْصِيَةٍ، وَالشُّكْرُ بِاللِّسَانِ مَأْمُورٌ بِهِ لِإِظْهَارِ الرِّضَى عَنْ اللَّهِ تَعَالَى، ﴿قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِرَجُلٍ: كَيْفَ أَصْبَحَتْ؟ فَقَالَ: بِخَيْرٍ، فَأَعَادَ فَقَالَ: بِخَيْرٍ، فَأَعَادَ السُّؤَالَ، فَأَعَادَ حَتَّى قَالَ فِي الثَّالِثَةِ: بِخَيْرٍ أَحْمَدُ اللَّهَ وَأَشْكُرُهُ، فَقَالَ: هَذَا الَّذِي أَرَدْت مِنْك﴾، وَكَانَ السَّلَفُ

١٠٬٥٥٩ / ١١٬٧٠٢ الأصل المصوَّر ١٦ م.ب.