شرح كتاب النيل وشفاء العليل امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

الجزء السابع عشر

الجزء ١٧ · صفحة ٢٨٦

........................

----------------

مِنْ الْأُولَى وَيَرَى ذَلِكَ نَقْصًا فِي سُلُوكِهِ فَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ﴿إنَّهُ لَيُغَانُ عَلَى قَلْبِي حَتَّى أَسْتَغْفِرَ اللَّهَ فِي الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ سَبْعِينَ مَرَّةً﴾ فَكَانَ ذَلِكَ لِتَرَقِّيهِ إلَى سَبْعِينَ مَقَامًا، وَلَمَّا قَالَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا: {أَلَيْسَ قَدْ غَفَرَ اللَّهُ لَك مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِك وَمَا تَأَخَّرَ فَمَا هَذَا الْبُكَاءُ فِي السُّجُودِ، وَمَا هَذَا الْجَهْدُ الشَّدِيدُ؟ قَالَ: أَفَلَا أَكُونُ

عَبْدًا شَكُورًا،} أَيْ أَفَلَا أَكُونُ طَالِبًا لِلْمَزِيدِ فِي الْمَقَامَاتِ: ﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ﴾ وَكُلُّ مَا خَلَقَ اللَّهُ تَعَالَى فِي الدُّنْيَا إنَّمَا خَلَقَهُ لِيُتَوَصَّلَ بِهِ إلَى سَعَادَةِ الْآخِرَةِ وَنِيلِ الْقُرْبِ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى، فَمَنْ اسْتَعْمَلَ مَا أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ بِهِ مِنْ جَوَارِحِهِ وَمَالِهِ وَعَقْلِهِ فِي مَعْصِيَةٍ فَقَدْ كَفَرَ نِعَمَهُ تَعَالَى، وَمَنْ أَهْمَلَهَا وَلَمْ يَسْتَعْمِلْهَا فَقَدْ كَفَرَ أَيْضًا إذْ عَطَّلَهَا عَمَّا خُلِقَتْ لَهُ وَذَلِكَ كَسُلْطَانٍ أَعْطَى عَبْدًا مَرْكُوبًا لِيَسْعَدَ بِالْقُرْبِ مِنْ السُّلْطَانِ وَيَتَلَذَّذَ بِهِ لَا لِيَخْدُمَهُ، وَلَا لِيَزِيدَ فِي مِلْكِهِ لِضَعْفِهِ، وَغِنَاءِ السُّلْطَانِ عَنْهُ.

فَإِنْ لَمْ يَرْكَبْهُ إلَى السُّلْطَانِ بَلْ إلَى جِهَةٍ أُخْرَى أَوْ لَمْ يَرْكَبْهُ أَصْلًا فَقَدْ كَفَرَ نِعْمَتَهُ، وَكُلُّ مُطِيعٍ فَهُوَ شَاكِرٌ بِقَدْرِ طَاعَتِهِ فَالشُّكْرُ انْصِرَافُ نِعْمَةِ اللَّهِ مِنْ جِهَةِ مَحَبَّةِ اللَّهِ فَالْمُطِيعُ شَاكِرٌ، وَمِنْ حَيْثُ إنَّهُ مَحِلُّ الشُّكْرِ إذْ صَدَرَ مِنْهُ فَهُوَ مَشْكُورٌ لِلَّهِ تَعَالَى، وَكَذَا مُثْنٍ وَمُثْنًى عَلَيْهِ وَاعْلَمْ أَنَّ فِعْلَ الشُّكْرِ وَتَرْكَ الْكُفْرِ لَا يَتِمُّ إلَّا بِمَعْرِفَةِ مَا يُحِبُّهُ اللَّهُ تَعَالَى عَمَّا يَكْرَهُهُ إذْ مَعْنَى الشُّكْرِ اسْتِعْمَالُ نِعَمِهِ فِي مَحَابِّهِ، وَمَعْنَى الْكُفْرِ نَقِيضُ ذَلِكَ إمَّا بِالسَّمْعِ وَمُسْتَنِدُهُ الْأَخْبَارُ وَالْآيَاتُ، وَإِمَّا بِبَصِيرَةِ الْقَلْبِ وَهُوَ النَّظَرُ بِعَيْنِ الِاعْتِبَارِ

١٠٬٥٦٤ / ١١٬٧٠٢ الأصل المصوَّر ١٦ م.ب.