الجزء السابع عشر
الجزء ١٧ · صفحة ٢٩٤........................
----------------
وَحَمْدُ اللَّهِ عَلَى السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ "، وَالنِّعْمَةُ مَا يُتَلَذَّذُ بِهِ مِنْ حَلَالٍ، سَوَاءٌ حُمِدَتْ عَاقِبَتُهُ أَوْ لَا، وَقَدْ أَطَلْت الْكَلَامَ فِي تَعْرِيفِهَا فِي غَيْرِ هَذَا الْكِتَابِ، كَشَرْحِ الْقَلَصَادِيِّ، لَا كَمَا اشْتَرَطَ بَعْضُهُمْ حَمْدَ الْعَاقِبَةَ، وَأَمَّا فِي أَصْلِ اللُّغَةِ فَالنِّعْمَةُ مَا يُتَلَذَّذُ بِهِ وَلَوْ حَرَامًا.
وَذَكَرَ الْغَزَالِيُّ: أَنَّ كُلَّ لَذَّةٍ وَمَطْلُوبٍ يُسَمَّى نِعْمَةً، وَالنِّعْمَةُ الْحَقِيقَةُ السَّعَادَةُ الْأُخْرَوِيَّةُ، وَتَسْمِيَةُ مَا سِوَاهَا نِعْمَةٌ وَسَعَادَةٌ غَلَطٌ أَوْ مَجَازٌ، وَكُلُّ مَا يُوصِلُ لِسَعَادَةِ الْآخِرَةِ بِوَاسِطَةٍ أَوْ وَسَائِطَ فَتَسْمِيَتُهُ نِعْمَةٌ صَحِيحٌ وَصِدْقٌ، فَالنِّعْمَةُ مَا يَنْفَعُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ جَمِيعًا أَوْ فِي الْآخِرَةِ كَالْعِلْمِ وَالْعِبَادَةِ، وَمَا يَنْفَعُ فِي الدُّنْيَا فَقَطْ أَوْ يَضُرُّ فِيهَا، وَلَا يَنْفَعُ فِي الْآخِرَةِ غَيْرُ نِعْمَةٍ أَوْ يَضُرُّ وَيَنْفَعُ فِيهَا، كَالْعَسَلِ الَّذِي فِيهِ السُّمُّ، فَإِنَّهُ نَفَعَ أَوَّلَ الْأَمْرِ وَضَرَّ آخِرَهُ، وَبِاعْتِبَارِ نِعَمِ الدُّنْيَا فَمَا يَضُرُّ أُوَلًا وَيَنْفَعُ آخِرًا نِعْمَةٌ كَالدَّوَاءِ الْمُرِّ، وَالْخَيْرُ إمَّا مُرَادٌ لِذَاتِهِ كَرِضَى اللَّهِ فَإِنَّهُ لَا يُطْلَبُ لِيُتَوَصَّلَ بِهِ إلَى غَيْرِهِ، وَهَذَا لِمَنْ وَصَلَ هَذِهِ الدَّرَجَةَ، وَإِمَّا لِغَيْرِهِ كَطَلَبِ رِضَاهُ لِئَلَّا يُحْرِقَهُ بِالنَّارِ، وَكَالْمَالِ لَا يُنْتَفَعُ بِهِ، وَإِمَّا لِذَاتِهِ وَلِغَيْرِهِ كَالصِّحَّةِ وَالسَّلَامَةِ تُقْصَدُ لِيُوصَلَ بِهَا إلَى الْعِبَادَةِ الْمُوصِلَةِ إلَى اللَّهِ، وَلِيُوصَلَ بِهَا إلَى لَذَّةِ الدُّنْيَا وَلِذَاتِهَا، فَإِنَّ الْإِنْسَانَ يُحِبُّ السَّلَامَةَ مِنْ حَيْثُ إنَّهَا سَلَامَةٌ.
قُلْت: لَا يُتَصَوَّرُ هَذَا الْأَخِيرُ لِأَنَّهُ وَلَوْ لَمْ يَحْتَجْ إلَى الْمَشْيِ مَثَلًا، لَكِنْ يُحِبُّ سَلَامَةَ الرِّجْلِ لَعَلَّهُ يَحْتَاجُ يَوْمًا إلَى السَّفَرِ، نَعَمْ قَدْ لَا يَكْرَهُ سَوَادَ مَا يَسْتُرُهُ الثَّوْبُ، وَلَوْ كَانَ لَا يَظْهَرُ لِغَيْرِهِ وَأَمِنَ مِنْ ظُهُورٍ، وَيَكُونُ غَيْرُهُ يَكْرَهُهُ فَذَلِكَ بِحَسَبِ اخْتِلَافِ الطَّبَائِعِ وَالْأَغْرَاضِ، وَيُقَالُ أَيْضًا: الْخَيْرُ إمَّا نَافِعًا أَوْ لَذِيذًا أَوْ جَمِيلًا، فَالْأَوَّلُ مَا يُنْفَعُ بِهِ، وَالثَّانِي مَا فِي الْحَالِ، وَالثَّالِثُ فِي كُلِّ حَالٍ، وَيُقَالُ: