شرح كتاب النيل وشفاء العليل امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

الجزء السابع عشر

الجزء ١٧ · صفحة ٣٢٢

........................

----------------

لَا بُدَّ أَنْ يَرَى مَكْرُوهًا، وَتَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدْ كَفَى عَنْك غَيْرَ مَا أَصَابَك وَأَكْبَرَ مِنْهُ، وَالْعَرَبُ تَقُولُ: وَيْلٌ خَيْرٌ مِنْ وَيْلَيْنِ، وَقَالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ: الدُّنْيَا كُلُّهَا غُمُومٌ، وَمَا كَانَ مِنْ سُرُورٍ فَهُوَ رِبْحٌ.

وَقَالَ الْعُتْبِيُّ: إذَا تَنَاهَى الْغَمُّ انْقَطَعَ الدَّمْعُ بِدَلِيلِ أَنَّك لَا تَرَى مَضْرُوبًا بِالسِّيَاطِ وَلَا مُقَدَّمًا لِضَرْبِ الْعُنُقِ يَبْكِي وَأَخْبَرَنِي بَعْضٌ: أَنَّهُ رَأَى فِي تُونُسَ مُقَدَّمًا لِضَرْبِ الْعُنُقِ يَبْكِي، قُلْت: هَذَا فِيهِ بَقِيَّةُ طَمَعٍ فِي الْحَيَاةِ وَانْتِصَارٌ مَا أَوْ بَلَغَ بِهِ حُبُّ مَا يَخْلُفُهُ مِنْ مَالٍ أَوْ وَلَدٍ أَوْ غَيْرِهِمَا، أَنَّهُ ذَهِلَ عَنْ نَفْسِهِ فَاشْتَغَلَ بِهِ كَأَنَّهُ نَفْسُهُ، وَقَالَ وَهْبٌ: إذَا سُلِكَ بِنَا طَرِيقُ الْبَلَاءِ سُلِكَ بِنَا طَرِيقُ الْأَنْبِيَاءِ، وَقَالَ مُطَرِّفٌ: مَا نَزَلَ بِي مَكْرُوهٌ قَطُّ فَاسْتَعْظَمْتُهُ إلَّا ذَكَرْتُ ذُنُوبِي فَاسْتَصْغَرْتُهُ، وَعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ﴿يَوَدُّ أَهْلُ الْعَافِيَةِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَنْ لُحُومَهُمْ كَانَتْ تُقْرَضُ بِالْمَقَارِيضِ لِمَا يَرَوْنَ مِنْ ثَوَابِ اللَّهِ تَعَالَى لِأَهْلِ الْبَلَاءِ﴾.

وَرَوَى أَبُو عَنْهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ﴿إذَا أَحَبَّ اللَّهُ عَبْدًا ابْتَلَاهُ وَإِذَا أَحَبَّهُ الْحُبَّ الْبَالِغَ اقْتَنَاهُ، قَالُوا: وَمَا اقْتِنَاؤُهُ؟ قَالَ: لَا يَتْرُكُ لَهُ مَالًا وَلَا وَلَدًا﴾ وَمَرَّ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ بِرَجُلٍ يَعْرِفُهُ مُطِيعًا لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ قَدْ مَزَّقَتْ السِّبَاعُ

لَحْمَهُ وَأَضْلَاعَهُ، وَكَبِدُهُ مُلْقَاةٌ عَلَى الْأَرْضِ، فَوَقَفَ مُتَعَجِّبًا فَقَالَ: " أَيْ رَبِّي عَبْدُك ابْتَلَيْته بِمَا أَرَى "، فَأَوْحَى اللَّهُ تَعَالَى إلَيْهِ: " إنَّهُ سَأَلَنِي دَرَجَةً لَمْ يَبْلُغْهَا بِعِلْمِهِ فَأَحْبَبْت أَنْ أَبْتَلِيَهُ لِأُبَلِّغَهُ تِلْكَ الدَّرَجَةَ "، وَخَرَجَ عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ إلَى الْوَلِيدِ فَوَطِئَ عَظْمًا فَمَا بَلَغَ دِمَشْقَ حَتَّى بَلَغَ بِهِ كُلَّ مَذْهَبٍ، فَجَمَعَ لَهُ الْوَلِيدُ الْأَطِبَّاءَ

١٠٬٦٠٠ / ١١٬٧٠٢ الأصل المصوَّر ١٦ م.ب.