شرح كتاب النيل وشفاء العليل امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

الجزء السابع عشر

الجزء ١٧ · صفحة ٣٢٣

........................

----------------

فَأُجْمِعَ رَأْيُهُمْ عَلَى قَطْعِ رِجْلِهِ، فَقَالُوا لَهُ: اشْرَبْ مُرْقِدًا؛ فَقَالَ لَهُمْ: مَا أُحِبُّ أَنْ أَغْفَلَ عَنْ ذَكَرِ اللَّهِ، فَأُحْضِرَ لَهُ الْمِنْشَارُ وَقُطِعَتْ رِجْلُهُ، فَقَالَ: ضَعُوهَا بَيْنَ يَدَيَّ وَلَمْ يَتَوَجَّعْ، ثُمَّ قَالَ: لَئِنْ اُبْتُلِيت فِي عُضْوٍ لَقَدْ عُوفِيت فِي أَعْضَاءٍ، وَبَيْنَمَا هُوَ كَذَلِكَ إذْ أَتَاهُ خَبَرُ وَلَدِهِ أَنَّهُ اطَّلَعَ مِنْ سَطْحٍ عَلَى دَوَابِّ الْوَلِيدِ فَسَقَطَ بَيْنَهَا فَمَاتَ، فَقَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ عَلَى كُلِّ حَالٍ، لَئِنْ أَخَذْت وَاحِدًا، لَقَدْ أَبْقَيْت جَمَاعَةً.

وَقَدِمَ عَلَى الْوَلِيدِ وَفْدٌ مِنْ عَبْسٍ فِيهِمْ شَيْخٌ ضَرِيرٌ فَسَأَلَهُ عَنْ حَالِهِ وَسَبَبِ ذَهَابِ بَصَرِهِ فَقَالَ: خَرَجْت مَعَ رُفْقَةِ مُسَافِرِينَ وَمَعِي مَالِي وَعِيَالِي وَلَا أَعْلَمُ عَبْسِيًّا يَزِيدُ مَالُهُ عَلَى مَالِي، فَعَرَّسْنَا فِي بَطْنِ وَادٍ، فَطَرَقَنَا سَيْلٌ فَذَهَبَ مَا كَانَ لِي مِنْ أَهْلٍ وَمَالٍ وَوَلَدٍ غَيْرَ صَبِيٍّ صَغِيرٍ وَبَعِيرٍ، فَشَرَدَ الْبَعِيرُ فَوَضَعْت الصَّغِيرَ عَلَى الْأَرْضِ وَمَضَيْت لِآخُذَ الْبَعِيرَ، فَسَمِعْت صَيْحَةَ الصَّبِيِّ فَرَجَعْت إلَيْهِ فَإِذَا رَأْسُ الذِّئْبِ فِي بَطْنِهِ وَهُوَ يَأْكُلُ فِيهِ، فَرَجَعْت إلَى الْبَعِيرِ فَحَطَّمَ وَجْهِي بِرِجْلِهِ فَذَهَبَتْ عَيْنَايَ، فَأَصْبَحْت بِلَا عَيْنَيْنِ وَلَا وَلَدٍ وَلَا مَالٍ وَلَا أَهْلٍ، فَقَالَ الْوَلِيدُ: اذْهَبُوا بِهِ إلَى عُرْوَةَ لِيَعْلَمَ أَنْ فِي الدُّنْيَا مَنْ هُوَ أَعْظَمُ مُصِيبَةً مِنْهُ وَقِيلَ: الْمُمِضَّةُ مُكْسِبَةٌ لِحُظُوظٍ جَلِيلَةٍ إمَّا ثَوَابٌ مُدَّخَرٌ أَوْ تَطْهِيرٌ مِنْ ذَنْبٍ أَوْ

تَنْبِيهٌ مِنْ غَفْلَةٍ أَوْ تَعْرِيفٌ لِقَدْرِ النِّعْمَةِ، وَسُئِلَ بزرجمهر عَنْ حَالِهِ فِي نَكْبَتِهِ فَقَالَ: عَوَّلْت عَلَى أَرْبَعَةِ أَشْيَاءَ: أَوَّلُهَا أَنِّي قُلْت: الْقَضَاءُ وَالْقَدَرُ لَا بُدَّ عَنْ جَرَيَانِهِمَا الثَّانِي أَنِّي قُلْت: إنْ لَمْ أَصْبِرْ فَمَا أَصْنَعُ؟ الثَّالِثُ أَنِّي قُلْت: كَانَ يَجُوزُ أَعْظَمُ مِنْ هَذَا، الرَّابِعُ أَنِّي قُلْت: لَعَلَّ الْفَرَجَ قَرِيبٌ وَأَوْحَى اللَّهُ تَعَالَى إلَى دَاوُد عَلَيْهِ السَّلَامُ: " مَنْ صَبَرَ عَلَيْنَا وَصَلَ إلَيْنَا ".

قَالَ الشَّاعِرُ:

١٠٬٦٠١ / ١١٬٧٠٢ الأصل المصوَّر ١٦ م.ب.