الجزء السابع عشر
الجزء ١٧ · صفحة ٣٢٦........................
----------------
وَيُتَوَصَّلُ إلَى ذَلِكَ بِدَوَامِ الصَّبْرِ، فَيُقَالُ: مَنْ صَبَرَ ظَفِرَ، وَهُوَ الْأَقَلُّ، وَأَصْحَابُهُ قَلِيلٌ، وَهُمْ الصِّدِّيقُونَ الْمُقَرَّبُونَ الَّذِينَ قَالُوا: رَبُّنَا اللَّهُ، ثُمَّ اسْتَقَامُوا وَاطْمَأَنَّتْ نُفُوسُهُمْ عَلَى بَاعِثِ الدِّينِ، وَهُمْ الْمَقُولُ لَهُمْ: ﴿يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطَمْئِنَةُ ارْجِعِي إلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً﴾.
وَإِمَّا أَنْ تَقْهَرَ دَوَاعِي الْهَوَى الصَّبْرَ فَلَا تَبْقَى قُوَّةٌ لِدَاعِي الصَّبْرِ وَلَا مُنَازَعَةٌ فَيُسْلِمُ نَفْسَهُ إلَى جُنْدِ الشَّيْطَانِ فَهُوَ كَمُسْلِمٍ أَسِيرٍ تَسْتَسْخِرْهُ الْكُفَّارُ فِي رَعْيِ الْخَنَازِيرِ وَحِفْظِ الْخُمُورِ وَحَمْلِهَا، وَمَحِلُّهُ عِنْدَ اللَّهِ مَحِلُّ مَنْ يَقْهَرُ مُسْلِمًا إلَى الْكُفَّارِ إذْ جَنَى عَلَى نَفْسِهِ بِالذُّنُوبِ وَتَرْكِ الصَّبْرِ، وَإِمَّا أَنْ يُغْلَبَ دَاعِي الصَّبْرِ تَارَةً وَدَاعِي الْهَوَى تَارَةً ﴿خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا﴾، ثُمَّ إنَّهُ إمَّا أَنْ يَغْلِبَ جَمِيعَ الشَّهَوَاتِ أَوْ لَا يَغْلِبَ شَيْئًا أَوْ يَغْلِبَ بَعْضًا، ثُمَّ إنَّهُ إمَّا أَنْ يَشُقَّ الصَّبْرُ عَلَى النَّفْسِ فَلَا يُدَاوِمُ عَلَيْهِ إلَّا بِتَعَبٍ شَدِيدٍ فَيُسَمَّى تَصَبُّرًا، وَإِمَّا أَنْ يَحْصُلَ بِأَدْنَى مُحَامَلَةٍ عَلَى النَّفْسِ وَيُسَمَّى صَبْرًا، وَإِذَا دَامَ التَّقْوَى وَقَوَّى التَّصْدِيقَ تَيَسَّرَ الصَّبْرُ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى﴾ الْآيَةَ ثُمَّ الصَّبْرُ إمَّا تَرْكُ الشَّهْوَةِ وَهَذِهِ دَرَجَةُ التَّائِبِينَ، وَإِمَّا الرِّضَى بِالْمَقْدُورِ وَهَذِهِ دَرَجَةُ الزَّاهِدِينَ، وَإِمَّا الْمَحَبَّةُ لِمَا يَضَعُ بِهِ مَوْلَاهُ وَهَذِهِ دَرَجَةُ الصِّدِّيقِينَ.
الْخَامِسُ: جَمِيعُ مَا يَلْقَى الْعَبْدُ إمَّا يُوَافِقُ هَوَاهُ أَوْ يَكْرَهُهُ، وَهُوَ مُحْتَاجٌ إلَى الصَّبْرِ فِي كُلٍّ مِنْهُمَا فَالْأَوَّلُ كَالصِّحَّةِ وَالسَّلَامَةِ وَالْمَالِ وَالْجَاهِ وَكَثْرَةِ الْعَشِيرَةِ وَالْأَتْبَاعِ وَالْأَنْصَارِ