شرح كتاب النيل وشفاء العليل امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

الجزء السابع عشر

الجزء ١٧ · صفحة ٣٦٨

........................

----------------

سِنِينَ وَقَبْلَهَا وَبَعْدَهَا، وَمَنْ لَا شَهْوَةَ لَهُ وَلَا شَيْطَانَ كَالْمَلَائِكَةِ فَلْيَتُبْ لَعَلَّهُ قَصَّرَ، وَلَيْسَ فِي الْوُجُودِ إنْسَانٌ إلَّا وَشَهْوَتُهُ سَابِقَةٌ عَلَى عَقْلِهِ، وَغَرِيزَتُهُ الَّتِي هِيَ عُدَّةُ الشَّيْطَانِ مُتَقَدِّمَةٌ عَلَى غَرِيزَتِهِ الَّتِي هِيَ عُدَّةُ الْمَلَائِكَةِ، وَهِيَ الْعَقْلُ، وَلَا يَكْمُلُ إلَّا بَعْدَ مُقَارَبَةِ الْأَرْبَعِينَ، وَالرُّجُوعُ كَمَا سَبَقَ فَرْضٌ عَلَى كُلِّ أَحَدٍ لَا يَخْتَصُّ بِآدَمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَقَدْ قِيلَ: فَلَا تَحْسَبَنَّ هِنْدًا لَهَا الْغَدْرُ وَحْدَهَا سَجِيَّةُ نَفْسِ كُلِّ غَانِيَّةٍ هِنْدُ.

فَأَنْتَ تَرَى الْأَنْبِيَاءَ يَبْكُونَ مِنْ ذُنُوبِهِمْ وَهِيَ أُمُورٌ عُدَّتْ عَلَيْهِمْ ذُنُوبًا، فَالْإِنْسَانُ لَا يَخْلُو عَنْ الْهَمِّ بِالذَّنْبِ، وَإِنْ خَلَا فَلَا يَخْلُو عَنْ إيرَادِ الشَّيْطَانِ الْخَوَاطِرَ الْمُذْهِلَةَ عَنْ ذَكَرِ اللَّهِ، وَإِنْ خَلَا فَلَا يَخْلُو عَنْ غَفْلَةٍ وَقُصُورٍ فِي الْعِلْمِ بِصِفَاتِ اللَّهِ وَأَفْعَالِهِ، وَاعْلَمْ أَنَّهُ قَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ

الْإِنْسَانَ لَا يَخْلُو مَبْدَأُ خِلْقَتِهِ مِنْ اتِّبَاعِ الشَّهَوَاتِ أَصْلًا، وَلَيْسَ مَعْنَى التَّوْبَةِ تَرْكَهَا فَقَطْ، بَلْ تَمَامُ التَّوْبَةِ بِتَدَارُكِ مَا مَضَى، وَالْمَعْصِيَةُ وَالشَّهْوَةُ ظُلْمَةٌ عَلَى الْقَلْبِ، كَالْبُخَارِ عَلَى الْمِرْآةِ الصَّقِيلَةِ، وَجَلَاؤُهَا بِالتَّوْبَةِ، وَلِذَلِكَ بَالَغَ [بَعْضُ] الْأَنْبِيَاءِ فِي تَرَكِ حُظُوظِ النَّفْسِ فَتَوَسَّدَ حَجَرًا فِي نَوْمِهِ، فَقَالَ لَهُ الشَّيْطَانُ: أَمَا كُنْت تَرَكْت الدُّنْيَا لِلْآخِرَةِ؟ فَقَالَ: نَعَمْ، وَمَا الَّذِي حَدَثَ؟ فَقَالَ: تَوَسُّدُك لِهَذَا الْحَجَرِ تَنَعُّمٌ فِي الدُّنْيَا، فَلِمَ لَا تَضَعُ رَأْسَك عَلَى الْأَرْضِ؟ فَرَمَى الْحَجَرَ وَوَضَعَ رَأْسَهُ عَلَى الْأَرْضِ، وَفَعَلَ ذَلِكَ تَوْبَةً عَلَى ذَلِكَ التَّنَعُّمِ، وَهُوَ عَالِمٌ بِأَنَّ رَمْيَهُ غَيْرُ وَاجِبٍ، وَشَغَلَ عَلَمُ الثَّوْبِ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي صَلَاتِهِ، فَنَزَعَ ذَلِكَ الثَّوْبَ وَجَدَّدَ شِرَاكَ نَعْلٍ، فَشَغَلَهُ وَبَدَّلَهُ بِبَالٍ

١٠٬٦٤٦ / ١١٬٧٠٢ الأصل المصوَّر ١٦ م.ب.