شرح كتاب النيل وشفاء العليل امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

الجزء السابع عشر

الجزء ١٧ · صفحة ٣٦٩

........................

----------------

وَلَمَّا شَرِبَ أَبُو بَكْرٍ لَبَنًا أَتَاهُ بِهِ عَبْدُهُ أُجْرَةً لَهُ فِي كِهَانَةٍ تَكَهَّنَهَا فِي الْجَاهِلِيَّةِ بِلَا عِلْمٍ مِنْهُ، ثُمَّ عَلِمَ، أَدْخَلَ أَصْبَعَهُ فِي حَلْقِهِ لِيُخْرِجَهُ حَتَّى كَادَتْ رُوحُهُ تَخْرُجُ، قَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ الدَّارَانِيُّ: لَوْ لَمْ يَبْكِ الْعَاقِلُ فِيمَا بَقِيَ مِنْ عُمْرِهِ إلَّا عَلَى تَفْوِيتِ مَا مَضَى مِنْهُ فِي غَيْرِ الطَّاعَةِ لَكَانَ خَلِيقًا أَنْ يُحْزِنَهُ إلَى الْمَمَاتِ، فَكَيْفَ مَنْ يَسْتَقْبِلُ مَا بَقِيَ مِنْ عُمْرِهِ بِمِثْلِ مَا مَضَى مِنْ جَهْلِهِ، وَكُلُّ سَاعَةٍ، بَلْ نَفَسٍ جَوْهَرَةٌ نَفِيسَةٌ لَا عِوَضَ لَهَا يُمْكِنُ دُخُولُ الْجَنَّةِ، وَالنَّجَاةُ مِنْ النَّارِ بِهَا، وَالْعَاقِلُ إذَا مَلَكَ جَوْهَرَةً وَضَاعَتْ بَكَى عَلَيْهَا لَا مَحَالَةَ، وَإِنْ كَانَ ضَيْعَتُهَا سَبَبَ هَلَاكِهِ كَانَ بُكَاؤُهُ أَشَدُّ.

وَأَعْظَمُ مَا يَشْتَهِي الْمُذْنِبُ تَأْخِيرَ سَاعَةٍ يَسْتَدْرِكُ فِيهَا، وَأَنَّى لَهُ ذَلِكَ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ﴾، وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمْ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنْ الصَّالِحِينَ وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إذَا جَاءَ أَجَلُهَا﴾ قِيلَ يَقُولُ: يَا مَلَكَ الْمَوْتِ أَخِّرْنِي يَوْمًا أَتُوبُ فِيهِ إلَى رَبِّي وَأَتَزَوَّدُ صَالِحًا، فَيَقُولُ: فَنِيَتْ الْأَيَّامُ، فَلَا يَوْمَ، وَيَقُولُ: فَأَخِّرْنِي سَاعَةً، فَيَقُولُ: فَنِيَتْ السَّاعَاتُ فَلَا سَاعَةَ، فَيُغْلَقُ عَلَيْهِ بَابُ التَّوْبَةِ، فَيُغَرْغِرُ بِرُوحِهِ وَالْمُسَوِّفُ بَيْنَ خَطَرَيْنِ أَنْ يَتَرَاكَمَ ظُلْمَةُ الذَّنْبِ فَتَصِيرُ طَبْعًا، فَلَا تَقْبَلُ الْمَحْوَ أَوْ يُعَاجِلُهُ الْعَرْضُ وَالْمَوْتُ فَلَا يَشْتَغِلُ وَأَكْثَرُ صِيَاحِ أَهْلِ النَّارِ مِنْ التَّسْوِيفِ قِيلَ: يُسِرُّ اللَّهُ تَعَالَى إلَى عَبْدِهِ سِرَّيْنِ: إذَا خَرَجَ مِنْ الْبَطْنِ، يَقُولُ لَهُ: عَبْدِي قَدْ أَخْرَجْتُك إلَى الدُّنْيَا طَاهِرًا، وَاسْتَوْدَعْتُك عُمْرَك فَائْتَمَنْتُك عَلَيْهِ، فَانْظُرْ كَيْفَ تَحْفَظُ الْأَمَانَةَ، وَانْظُرْ إلَيَّ كَيْفَ تَلْقَانِي، وَإِذَا خَرَجَتْ رُوحُهُ، يَقُولُ: عَبْدِي، مَاذَا صَنَعْتَ فِي أَمَانَتِي عِنْدَك؟ هَلْ حَفِظْتَهَا حَتَّى تَلْقَانِي

١٠٬٦٤٧ / ١١٬٧٠٢ الأصل المصوَّر ١٦ م.ب.