الجزء السابع عشر
الجزء ١٧ · صفحة ٣٨١........................
----------------
عِنْدَ شُعُورِهِ بِفَوْتِ الْمَحْبُوبِ أَوْ بِاسْتِيجَابِ الْمَكْرُوهِ، وَمِنْ عَلَامَتِهِ طُولُ الْحَسْرَةِ وَالْحُزْنِ، وَإِسْكَابُ الدَّمْعِ وَطُولُ الْبُكَاءِ وَالشَّكْوِ، فَمَنْ اسْتَشْعَرَ مُصِيبَةً نَازِلَةً بِمَنْ يُحِبُّهُ طَالَ بُكَاؤُهُ وَحُزْنُهُ وَلَا أَعَزَّ عَلَيْهِ مِنْ نَفْسِهِ وَلَا أَشَدَّ مِنْ غَضَبِ اللَّهِ وَعَذَابِهِ، وَالْمَعْصِيَةُ دَلِيلٌ عَلَيْهِمَا.
وَمِنْ عَلَامَتِهِ تَمَكُّنُ مَرَارَةِ الذَّنْبِ فِي الْقَلْبِ وَالنِّفَارُ عَنْهُ بَدَلَ حَلَاوَتِهِ وَالرَّغْبَةِ فِيهِ، وَسَأَلَ نَبِيٌّ قَبُولَ تَوْبَةِ عَبْدٍ اجْتَهَدَ سِنِينَ وَلَمْ يَرَ أَثَرَ قَبُولِ تَوْبَتِهِ فَأَوْحَى اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ إلَيْهِ: " ﴿وَعِزَّتِي وَجَلَالِي لَوْ شَفَعَ فِيهِ أَهْلُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ مَا قَبِلْت تَوْبَتَهُ﴾ " وَحَلَاوَةُ ذَلِكَ الذَّنْبِ الَّذِي تَابَ مِنْهُ فِي قَلْبِهِ وَإِنْ قُلْت: يَجِدُ مَرَارَةَ الذَّنْبِ وَهُوَ مُشْتَهًى بِالطَّبْعِ، قُلْت: يَجِدُهَا بِمَا يَتَوَقَّعُ مِنْ غَضَبِ اللَّهِ تَعَالَى وَعَذَابِهِ، كَمَنْ أَكَلَ عَسَلًا فِيهِ سُمٌّ فَأَشْرَفَ عَلَى الْمَوْتِ فَقُدِّمَ إلَيْهِ عَسَلٌ فِيهِ سُمٌّ فَإِنَّهُ يَنْفِرُ مِنْهُ وَلَوْ كَانَ فِي غَايَةِ الْجُوعِ، بَلْ قَدْ يَنْفِرُ أَيْضًا عَنْ عَسَلٍ عَلِمَ أَنَّهُ لَا سُمَّ فِيهِ كَمَا أَنَّهُ يَنْبَغِي أَنْ يَجِدَ هَذِهِ الْمَرَارَةَ فِي جَمِيعِ الذُّنُوبِ.
وَإِنْ لَمْ يَكُنْ قَدْ ارْتَكَبَهَا مِنْ قَبْلُ، لِأَنَّ فِيهَا الْمُخَالِفَةَ لِلَّهِ تَعَالَى كَمَا فِي الذَّنْبِ الَّذِي تَابَ مِنْهُ الثَّانِي: يَجِبُ عَلَى التَّائِبِ تَدَارُكُ مَا مَضَى بِأَنْ يُفَتِّشَ عَمَّا مَضَى مِنْ ذُنُوبِهِ وَلَوْ
صَغَائِرَ وَلَوْ يَوْمًا يَوْمًا بِحَسَبِ طَاقَتِهِ مِنْ حِينِ كُلِّفَ فَيَتَنَصَّلُ وَيَقْضِي حَقَّ اللَّهِ وَالْعِبَادِ وَيُتَابِعُ السَّيِّئَاتِ الْحَسَنَاتِ الْمُطَابِقَاتِ لِتِلْكَ السَّيِّئَاتِ أَوْ غَيْرَ الْمُطَابِقَاتِ، كَسَمَاعِ الْمَلَاهِي بِسَمَاعِ الْقُرْآنِ، وَمَسِّ الْمُصْحَفِ جُنُبًا بِإِكْرَامِهِ بِمَسِّهِ طَاهِرًا أَوْ بِتَقْبِيلِهِ، قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ﴿اتَّقِ اللَّهَ حَيْثُ مَا كُنْت وَأَتْبِعْ السَّيِّئَةَ الْحَسَنَةَ تَمْحُهَا﴾ "