الجزء السابع عشر
الجزء ١٧ · صفحة ٣٨٤........................
----------------
إلَى النَّجَاةِ أَوْ الْفَوْزِ فَهَذَا أَيْضًا خَطَأٌ بَلْ النَّجَاةُ وَالْفَوْزُ بِتَرْكِ الْجَمِيعِ هَذَا حُكْمُ الظَّاهِرِ، وَلَسْنَا نَتَكَلَّمُ فِي خَفَايَا أَسْرَارِ عَفْوِ اللَّهِ، وَذَلِكَ أَنَّ الْمَعْصِيَةَ مُطْلَقًا تُبْعِدُ عَنْ اللَّهِ وَتُقَرِّبُ إلَى عِقَابِهِ فَكَيْفَ، يَفُوزُ وَيَنْجُو مَنْ فِيهِ مُوجِبُ ذَلِكَ، وَتَابَ عَنْ مُوجِبٍ آخَرَ فَكَمَا تَتَوَجَّعُ بِقَتْلِ مَنْ تُحِبُّ بِسَيْفٍ تَتَوَجَّعُ بِقَتْلِهِ بِغَيْرِهِ، وَكَمَا تَتَوَجَّعُ بِذَهَابِ مَالٍ بِغَرَقٍ تَتَوَجَّعُ بِذَهَابِهِ بِغَيْرِهِ، وَإِلَّا لَجَازَ أَنْ يَتُوبَ مِنْ الشُّرْبِ مِنْ هَذَا الدَّنِّ دُونَ الْآخَرِ أَوْ فِي وَقْتِ كَذَا دُونَ وَقْتِ كَذَا، أَوْ مِنْ الزِّنَى بِهَذِهِ دُونَ هَذِهِ ثُمَّ إنَّ التَّوْبَةَ عَنْ الْكَبَائِرِ دُونَ الصِّغَارِ أَمْرٌ مُمْكِنٌ لِأَنَّهُ يَعْلَمُ أَنَّ الْكَبِيرَةَ أَعْظَمُ عِنْدَ اللَّهِ وَأَجْلَبُ لِسَخَطِ اللَّهِ وَمَقْتِهِ، وَالصَّغَائِرُ أَقْرَبُ إلَى طُرُقِ الْعَفْوِ إلَيْهَا.
وَقَدْ يَتُوبُ عَنْ بَعْضِ الْكَبَائِرِ دُونَ بَعْضٍ اعْتِقَادًا مِنْهُ أَنَّ بَعْضًا أَعْظَمُ عِنْدَ اللَّهِ، مِثْلُ أَنْ يَتُوبَ مِنْ الْمَظَالِمِ الَّتِي عَلَيْهِ لِلْعِبَادِ وَيَتَسَاهَلَ بِالتَّأْخِيرِ لِذُنُوبٍ بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ وَيَقُولُ: هِيَ دِيوَانٌ يُغْفَرُ، وَمِثْلُ أَنْ يَتُوبَ عَنْ الْخَمْرِ، لِأَنَّهَا أُمُّ الشُّرُورِ دُونَ غَيْرِهَا، وَقَدْ يَتُوبُ مِنْ صَغِيرَةٍ أَوْ صَغَائِرَ وَهُوَ مُصِرٌّ عَلَى كَبِيرَةٍ، إذْ مَا مِنْ مُؤْمِنٍ إلَّا وَهُوَ خَائِفٌ عَلَى مَعَاصِيهِ وَنَادِمٌ عَلَى فِعْلِهِ نَدَمًا إمَّا ضَعِيفًا أَوْ قَوِيًّا، لَكِنْ تَكُونُ لَذَّةُ نَفْسِهِ فِي تِلْكَ الْمَعْصِيَةِ أَقْوَى مِنْ أَلَمِ قَلْبِهِ فِي الْخَوْفِ مِنْهَا لِأَسْبَابٍ تُوجِبُ ضَعْفَ الْخَوْفِ كَالْجَهْلِ وَالْغَفْلَةِ،
أَوْ تُوجِبُ قُوَّةَ الشَّهْوَةِ وَلَا يُفِيدُ ذَلِكَ تَوْبَةً كَافِيَةً، فَإِنَّ مَنْ تَقَرَّبَ إلَى اللَّهِ بِعِبَادَةٍ أَوْ بِتَرْكِ مَعْصِيَةٍ وَأَصَرَّ عَلَى صَغِيرَةٍ أَوْ كَبِيرَةٍ هُوَ بَعِيدٌ بِمَا أَصَرَّ عَلَيْهِ.
الرَّابِعُ: مَنْ عَصَى مَعْصِيَةً وَكَانَ بَعْدَهَا لَا يَقْدِرُ عَلَى فِعْلِهَا كَمَنْ زَنَى ثُمَّ كَانَ لَا يَشْتَهِي الزِّنَى وَلَا يُطِيقُهُ لِعُنَّةٍ فِيهِ عَارِضَةٍ مَثَلًا فَلْيَتُبْ بِمَعْنَى يَنْدَمُ عَلَى فِعْلِهِ