شرح كتاب النيل وشفاء العليل امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

الجزء السابع عشر

الجزء ١٧ · صفحة ٣٨٥

........................

----------------

السَّابِقِ، وَيَسْتَشْعِرُ الْعِقَابَ عَلَيْهِ وَيَخَافُهُ، وَإِلَّا فَالتَّوْبَةُ بِمَعْنَى النَّدَمِ الَّذِي يَبْعَثُ الْعَزْمَ عَلَى التَّرْكِ لَا تُتَصَوَّرُ مِنْهُ لِأَنَّهُ لَمْ يَقْدِرْ بَعْدُ لَكِنْ يُتَصَوَّرُ حَاصِلُهَا بِأَنْ يَشْتَدَّ تَحَسُّرُهُ بِحَيْثُ لَوْ كَانَ مُطِيقًا لَغَلَبَتْ قُوَّةُ التَّحَسُّرِ قُوَّةَ الشَّهْوَةِ وَقَمَعَتْهَا.

الْخَامِسُ: قَالَ أَحْمَدُ بْنُ أَبِي الْحَوَارِيِّ وَأَصْحَابُ أَبِي سُلَيْمَانَ الدَّارَانِيِّ: إنَّ التَّائِبَ الَّذِي يَبْقَى فِي نَفْسِهِ نُزُوعٌ إلَى الذَّنْبِ وَهُوَ يُجَاهِدُ نَفْسَهُ عَنْهُ أَفْضَلُ لِأَنَّ لَهُ مَعَ التَّوْبَةِ فَضْلَ الْجِهَادِ، وَقَالَ أَهْلُ الْبَصْرَةِ: التَّائِبُ الَّذِي سَكَنَتْ نَفْسُهُ عَنْ النُّزُوعِ إلَى الذَّنْبِ أَفْضَلُ، لِأَنَّهُ لَوْ فُتِنَ فِي تَوْبَتِهِ كَانَ أَقْرَبَ إلَى السَّلَامَةِ، وَالْأَوَّلُ لَوْ فُتِنَ لَوَقَعَ فِيمَا تَابَ عَنْهُ لِأَنَّهُ يَلِيهِ، قَالَ الْغَزَالِيُّ: وَالْحَقُّ أَنَّ الَّذِي انْقَطَعَ نُزُوعُ نَفْسِهِ عَلَى حَالَتَيْنِ: الْأُولَى: أَنْ يَكُونَ انْقِطَاعُ نُزُوعِ النَّفْسِ إلَى الذَّنْبِ بِفُتُورِ الشَّهْوَةِ فَقَطْ، فَالْمُجَاهِدُ أَفْضَلُ لِأَنَّ تَرْكَهَا بِالْمُجَاهَدَةِ لِقُوَّةِ يَقِينِهِ وَاسْتِيلَاءِ دِينِهِ عَلَى شَهْوَتِهِ، وَهُوَ دَلِيلٌ عَلَى قُوَّةِ الْيَقِينِ وَقُوَّةِ الدِّينِ، وَهِيَ قُوَّةُ الْإِرَادَةِ الْمُنْبَعِثَةِ بِإِشَارَةِ الْيَقِينِ الْقَامِعَةِ لِلشَّهْوَةِ الْمُنْبَعِثَةِ بِإِشَارَةِ الشَّيَاطِينِ، وَتَقُولُ هَذَا أَسْلَمُ إذْ لَوْ فَتَرَ لَمْ يَعُدْ إلَى الذَّنْبِ لَكِنْ مَا هَذَا إلَّا كَقَوْلِك: الْعِنِّينُ أَفْضَلُ مِنْ الْفَحْلِ لِأَنَّهُ فِي أَمْنٍ مِنْ خَطَرِ الشَّهْوَةِ، وَالصَّبِيُّ أَفْضَلُ مِنْ الْبَالِغِ لِأَنَّهُ أَسْلَمُ.

الثَّانِيَةُ: أَنْ يَبْطُلَ النُّزُوعُ بِسَبَبِ قُوَّةِ الْيَقِينِ وَصِدْقِ الْمُجَاهَدَةِ السَّابِقَةِ فَهَذَا أَفْضَلُ مِنْ الْمُجَاهِدِ الْمُقَاسِي، ثُمَّ التَّائِبُ الْجَاعِلُ لِذَنْبِهِ نَصْبَ عَيْنَيْهِ يَتَفَكَّرُ فِيهِ وَيَحْتَرِقُ نَدَمًا عَلَيْهِ أَفْضَلُ مِنْ التَّائِبِ النَّاسِي لِذَنْبِهِ، فَحَقِيقَةُ التَّوْبَةِ أَنْ تَنْصِبَ ذَنْبَك نَصْبَ عَيْنَيْك، وَقِيلَ: النَّاسِي أَفْضَلُ، فَحَقِيقَةُ التَّوْبَةِ أَنْ تَنْسَى ذَنْبَك

١٠٬٦٦٣ / ١١٬٧٠٢ الأصل المصوَّر ١٦ م.ب.