الجزء السابع عشر
الجزء ١٧ · صفحة ٣٨٦........................
----------------
فَهَذَا قَوْلَانِ لِلْمُتَصَوِّفَةِ، وَكَلَامُهُمْ دَائِمًا أَبَدًا كَاللُّغْزِ إذْ يَنْظُرُونَ إلَى مَا ظَهَرَ لَهُمْ مِنْ أَحْوَالِ أَنْفُسِهِمْ اهْتِمَامًا بِأَنْفُسِهِمْ فَهَذَا كَمَالٌ، لَكِنَّهُ نُقْصَانٌ بِالنِّسْبَةِ إلَى دَرَجَةِ الْعِلْمِ الَّذِي هُوَ مَعْرِفَةُ
الشَّيْءِ كَمَا هُوَ، فَالْأَوَّلُ إنَّمَا يَتِمُّ فِي الْمُبْتَدِئِ الْمُرِيدِ فَإِنَّهُ إذَا نَسِيَهُ لَمْ يَقْوَ احْتِرَاقُهُ وَلَا إعْرَاضُهُ عَنْ أَمْثَالِهِ مِنْ الْمَعَاصِي، وَالثَّانِي فِي السَّالِكِ فَإِنَّهُ إذَا انْكَشَفَتْ لَهُ الْأَنْوَارُ فَالْأَهَمُّ لَهُ الرَّغْبَةُ فِي السُّلُوكِ فِيهَا حَتَّى تَسْتَغْرِقَهُ فَلَا يَبْقَى لَهُ الْتِفَاتٌ إلَى غَيْرِهَا فَيَنْبَغِي لِلْمُعَلِّمِ أَنْ يُبَيِّنَ الْقَوْلَيْنِ طَرِيقَيْنِ وَلَا يَقْتَصِرُ عَلَى الْإِخْبَارِ عَمَّا هُوَ حَالُ نَفْسِهِ فَإِنَّهُ لَا يَتِمُّ بِهِ الْإِرْشَادُ، فَقَدْ رُوِيَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لِلْحَسَنِ: " كِخْ كِخْ " حِينَ أَخَذَ تَمْرَةً مِنْ الصَّدَقَةِ وَوَضَعَهَا فِي فِيهِ يُشِيرُ لَهُ إلَى صَوْتٍ يَرْمِي بِهِ التَّمْرَةَ إذَا صَاتَ بِهِ وَلَمْ يَعْتَبِرْ فَصَاحَةَ نَفْسِهِ فَيَقُولُ: ارْمِهَا فَإِنَّهَا حَرَامٌ، لِأَنَّ الْحَسَنَ إذْ ذَاكَ لَا يَفْهَمُ بِهَذَا، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
السَّادِسُ: التَّائِبُونَ أَرْبَعَةٌ: الْأَوَّلُ: أَنْ يَدُومَ عَلَيْهَا إلَى آخِرِ عُمْرِهِ إلَّا فُرُطَاتٍ لَا يَخْلُو الْبَشَرُ عَنْهَا، وَهُوَ السَّابِقُ بِالْخَيْرَاتِ الْمُسْتَبْدِلُ بِالسَّيِّئَاتِ حَسَنَاتٍ، وَتَوْبَتُهُ النَّصُوحُ وَنَفْسُهُ الْمُطْمَئِنَّةُ الَّتِي تَرْجِعُ إلَى رَبِّهَا رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً، وَأَشَارَ إلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " ﴿سَبَقَ الْمُفَرِّدُونَ الْمُسْتَهْتَرُونَ بِذِكْرِ اللَّهِ تَعَالَى وَضَعَ الذِّكْرُ عَنْهُمْ أَوْزَارَهُمْ فَوَرَدُوا الْقِيَامَةَ خِفَافًا﴾ " (1) فَهُوَ إمَّا تَائِبٌ سَكَنَتْ شَهْوَتُهُ قَهْرًا مِنْهُ لَهَا، وَإِمَّا تَائِبٌ تُنَازِعُهُ وَيُجَاهِدُهَا، وَالنِّزَاعُ إمَّا كَثِيرٌ أَوْ قَلِيلٌ، وَتَخْتَلِفُ الْمُدَّةُ أَيْضًا وَالْأَنْوَاعُ، وَهُوَ أَيْضًا مُخْتَطٌّ مُغْتَبِطٌ لِسَلَامَتِهِ وَمُهْمَلٌ طَالَتْ مَقَاسَاتُهُ، وَكَثُرَتْ حَسَنَاتُهُ، وَهَذَا أَعْلَى.
قِيلَ: إنَّمَا يُكَفِّرُ الذَّنْبَ الَّذِي ارْتَكَبَهُ الْعَاصِي عَشْرَ