الجزء السابع عشر
الجزء ١٧ · صفحة ٤١٢........................
----------------
بَلَغْت ثُلُثَ الطَّرِيقِ تَذَكَّرْت قَوْلَك: ﴿وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ﴾ قُلْت لَعَلَّك تَغْفِرُ لِي، وَلَمَّا بَلَغْت نِصْفَ الطَّرِيقِ تَذَكَّرْت قَوْلَك: ﴿وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إلَّا اللَّهُ﴾ فَقُلْت لَعَلَّك تَغْفِرُ لِي، وَلَمَّا بَلَغْت ثُلُثَيْ الطَّرِيقِ تَذَكَّرْت قَوْلَك: ﴿قُلْ يَا عِبَادِي الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ﴾، فَازْدَدْت طَمَعًا، فَيَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: " اذْهَبْ فَقَدْ غَفَرْت لَك ".
وَقِيلَ: إنَّ رَجُلًا كَانَ يَقُولُ: إلَهِي أَبْطَأْت، فَهَتَفَ بِهِ هَاتِفٌ: لَمْ تُبْطِئْ وَإِنَّمَا أَبْطَأَ مَنْ مَاتَ وَلَمْ يَتُبْ وَالْعَفْوُ مِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ تَعَالَى وَرَدَ بِهِ النَّصُّ مُبَالَغَةً مِنْ الْعَافِي، وَالْعَفْوُ لَهُ مَعْنَيَانِ: الْأَوَّلُ الْفَضْلُ، وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلْ الْعَفْوَ﴾ يَعْنِي مَا فَضَلَ مِنْ أَمْوَالِهِمْ، وَمِنْهُ إعْفَاءُ اللِّحْيَةِ، وَعَفَا مَالُ فُلَانٍ إذَا كَثُرَ، فَالْعَفْوُ عَلَى هَذَا الِاشْتِقَاقِ الَّذِي يُعْطِي الْكَثِيرَ وَيَهَبُ الْفَضْلَ الْجَزِيلَ وَالثَّانِي: الْمَحْوُ وَالْإِزَالَةُ، يُقَالُ: عَفَتْ الرِّيحُ الْآثَارَ إذَا أَزَالَتْهَا، فَالْعَفْوُ فِي وَصْفِهِ تَعَالَى عَلَى هَذَا إزَالَةُ آثَارِ الْإِجْرَامِ بِجَمِيلِ الْمَغْفِرَةِ، فَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى يَعْفُو عَنْ الْعِبَادِ إجْرَامَهُمْ فَيُزِيلُ أَحْكَامَهَا، وَيُرْوَى أَنَّ بَعْضَ الْعُلَمَاءِ قَالَ فِي آخِرِ مَجْلِسِهِ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِأَقْسَانَا قَلْبًا وَأَجْمَدِنَا عَيْنًا وَأَقْرَبِنَا بِالْمَعْصِيَةِ عَهْدًا، وَكَانَ فِي