الجزء السابع عشر
الجزء ١٧ · صفحة ٤٦٥........................
----------------
﴿إذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اُتُّبِعُوا مِنْ الَّذِينَ اتَّبَعُوا﴾ - إلَى - ﴿مِنْ النَّارِ﴾ وَهُوَ فِي الْقُرْآنِ كَثِيرٌ، وَمَنْ السُّنَّةِ مَا رُوِيَ أَنَّ مَشْجُوجًا أَجْنَبَ وَقَدْ انْدَمَلَتْ شَجَّتُهُ، فَاسْتُفْتِيَ لَهُ فَأُمِرَ بِالِاغْتِسَالِ وَلَمْ يَعْذِرُوهُ، فَاغْتَسَلَ وَكَرَّتْ عَلَيْهِ وَمَاتَ.
فَأُخْبِرَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ﴿فَقَالَ: قَتَلُوهُ قَاتَلَهُمْ اللَّهُ﴾ "، فَلَمْ يَعْذِرْ الْمُسْتَفْتِيَ وَلَا الْمُفْتِيَ، وَلَعَلَّهُ لَمْ يَتَأَهَّلْ لِلْفَتْوَى، أَوْ لَمْ يَتَفَكَّرْ هَلْ يَضُرُّهُ الْبَرْدُ، أَوْ كَيْفَ صِفَةُ جُرْحِهِ، وَإِذَا رَفَعَ صَحَابِيٌّ خَبَرًا عَنْهُ بِإِيجَابِ فِعْلٍ لَزِمَ مَنْ بَلَغَهُ الْعَمَلُ بِهِ إلَى إتْيَانِ مَا يَنْسَخُهُ فَيَرْجُو اللَّهَ، وَكَذَا الْحَاكِمُ يَعْمَلُ بِمَا تَرَجَّحَ عِنْدَهُ، فَإِذَا تَرَجَّحَ عِنْدَهُ غَيْرُهُ رَجَعَ إلَيْهِ.
[قَالَ] ابْنُ بَرَكَةَ: كُلُّ مَسْأَلَةٍ لَا يَخْلُو الصَّوَابُ فِيهَا مِنْ أَحَدِ قَوْلَيْنِ إذَا فَسَدَ أَحَدُهُمَا بِالدَّلِيلِ صَحَّ أَنَّ الْحَقَّ فِي الْآخَرِ: {فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إلَّا
الضَّلَالُ}، فَإِذَا اخْتَلَفَتْ الْأُمَّةُ فِي حُكْمٍ عَلَى قَوْلَيْنِ، فَأَخْطَأَ بَعْضُهُمْ وَأَصَابَ آخَرُونَ، لَمْ يَخْرُجْ الْحَقُّ مِنْ أَيْدِيهِمْ، لِأَنَّ الْمُصِيبَ مِنْهُمْ كَالْأُمَّةِ، وَحَكَمَ بِقَوْلِهِ فِي الْآفَاقِ، فَإِذَا طَلَبَ ذَلِكَ الْحُكْمَ مِنْهَا وَقَامَ الدَّلِيلُ عَلَى خَطَأِ الْبَعْضِ كَانَ الْمُصِيبُ كَإِجْمَاعِهَا، وَمَنْ تَعَبَّدَ بِأَمْرٍ فَأَخَذَ بِبَعْضِ الْآرَاءِ فِيهِ وَدَانَ لِلَّهِ بِهِ لِاعْتِقَادِهِ صَوَابًا فَأَخْطَأَ سَلَّمَ لِاعْتِقَادِهِ إيجَابَ اللَّهِ عَلَيْهِ قَبُولَهُ، وَإِنْ أَخْطَأَ وَجْهَ الِاسْتِدْلَالِ وَدَانَ بِمَا دَانَ بِهِ بِحَيْثُ لَمْ يُوجِبْهُ عَلَيْهِ مِنْ ذَلِكَ الْوَجْهِ وَلَمْ يَتَعَبَّدْهُ بِتِلْكَ الْحُجَّةِ، وَإِنَّمَا تَعَبَّدَهُ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ وَبِأَدِلَّةٍ أُخْرَى هَلَكَ، وَلَمْ يُعْذَرْ.
وَكَذَا كُلُّ مَا تَعَبَّدَهُ أَنْ يَدِينَ لَهُ بِهِ فَأَطَاعَهُ فِيمَا