الجزء السابع عشر
الجزء ١٧ · صفحة ٤٨٠........................
----------------
وَأَوْجَبَ الشَّيْخُ أَحْمَدُ عَلَى الْمُقَلِّدِ أَنْ لَا يُقَلِّدَ فِي الدِّيَانَاتِ أَعْنِي أَنَّهُ يَقُولُ بِإِيمَانِهِ وَيُوجِبُ عَلَيْهِ أَنْ لَا يَقْتَصِرَ عَلَى ذَلِكَ بَلْ يَتَعَلَّمَ حَتَّى يُدْرِكَ بِالْحُجَّةِ، وَقِيلَ: النَّظَرُ فِي ذَلِكَ حَرَامٌ لِأَنَّهُ مَظِنَّةُ الْوُقُوعِ فِي الشَّبَهِ وَالضَّلَالِ لِاخْتِلَافِ الْأَذْهَانِ وَالْأَنْظَارِ، بِخِلَافِ التَّقْلِيدِ، فَيَجِبُ أَنْ يَجْزِمَ الْمُكَلَّفُ عَقْدَهُ بِمَا يَأْتِي بِهِ الشَّرْعُ مِنْ الْعَقَائِدِ، وَلَيْسَ كَمَا قَالَ السَّعْدُ: الْخِلَافُ إنَّمَا هُوَ فِي غَيْرِ مَعْرِفَةِ اللَّهِ.
وَأَمَّا فِيهَا فَالنَّظَرُ وَاجِبٌ إجْمَاعًا بَلْ الْخِلَافُ فِيهَا، وَفِي غَيْرِهَا مِنْ الْعَقَائِدِ كَالْجَائِزِ وَالْمُسْتَحِيلِ فِي حَقِّ الْأَنْبِيَاءِ وَالْبَعْثِ وَإِثَابَةِ الْمُطِيعِ وَعِقَابِ الْعَاصِي، وَأُجِيبُ عَمَّا ذَكَرَ آنِفًا مِنْ كَوْنِ النَّظَرِ مَظِنَّةَ الْوُقُوعِ فِي الشُّبَهِ وَالضَّلَالِ بِأَنَّ النَّظَرَ الَّذِي هُوَ مَظِنَّةُ ذَلِكَ هُوَ النَّظَرُ التَّفْصِيلِيُّ الْجَارِي عَلَى طَرِيقِ الْمُتَكَلِّمِينَ لَا الْإِجْمَالِيُّ الَّذِي هُوَ عَلَى طَرِيقِ الْعَامَّةِ وَهُوَ الْمُعْتَبَرُ وَلَيْسَ مَظِنَّةً لِذَلِكَ، فَالْأَعْرَابُ أَهْلٌ لِلنَّظَرِ عَلَى طَرِيقِ الْعَامَّةِ، كَمَا قَالَ الْأَصْمَعِيُّ لِأَعْرَابِيٍّ: بِمَ عَرَفْت رَبَّك؟ فَقَالَ: الْبَعْرَةُ تَدُلُّ عَلَى الْبَعِيرِ، وَأَثَرُ الْأَقْدَامِ عَلَى السَّيْرِ، فَسَمَاءٌ ذَاتُ أَبْرَاجٍ وَأَرْضٌ ذَاتُ فِجَاجٍ وَبُحُورٌ ذَاتُ أَمْوَاجٍ أَلَا تَدُلُّ عَلَى اللَّطِيفِ الْخَبِيرِ؟، وَأَمَّا النَّظَرُ بِطَرِيقِ الْمُتَكَلِّمِينَ فَفَرْضُ كِفَايَةٍ فِي حَقِّ الْمُتَأَهِّلِينَ، وَأَمَّا مَنْ يُخْشَى عَلَيْهِ مِنْ الْخَوْضِ فِيهِ فَلَا يَجُوزُ لَهُ، وَعَلَيْهِ يُحْمَلُ نَهْيُ
الشَّافِعِيِّ وَغَيْرِهِ عَنْ الِاشْتِغَالِ بِعِلْمِ الْكَلَامِ، وَهُوَ الْعِلْمُ بِالْعَقَائِدِ الدِّينِيَّةِ عَنْ الْأَدِلَّةِ الْيَقِينِيَّةِ، قِيلَ: وَعَلَى كُلِّ حَالٍ فَعَقَائِدُ الْمُقَلِّدِ صَحِيحَةٌ وَلَوْ أَثِمَ بِتَرْكِ النَّظَرِ عَلَى الْقَوْلِ الْأَوَّلِ، وَعَنْ أَبِي الْحَسَنِ الْأَشْعَرِيِّ: لَا يَصِحُّ إيمَانُ الْمُقَلِّدِ وَشَنَّعَ أَقْوَامٌ عَلَيْهِ بِأَنَّهُ يَلْزَمُهُ تَكْفِيرُ الْعَوَامّ وَهُمْ غَالِبُ الْمُؤْمِنِينَ، قَالَ الْقُشَيْرِيِّ، ذَلِكَ مَكْذُوبٌ عَلَيْهِ، وَقِيلَ: أَرَادَ النَّظَرَ عَلَى طَرِيقِ الْعَامَّةِ وَهُوَ قَدْرٌ لَا بُدَّ مِنْهُ وَقَالَ السَّعْدُ: لَيْسَ الْخِلَافُ فِيمَنْ يَسْكُنُ دَارَ الْإِسْلَامِ مِنْ الْأَمْصَارِ وَالْقُرَى